أرمينيا تستعد لانتخابات حاسمة مع تصاعد ضغط روسيا على حكومة باشينيان المؤيدة للغرب
اقتراع برلماني في جنوب القوقاز وسط ضغوط روسية ورهان على السلام الأوروبي.
ملخص
تتجه أرمينيا يوم الأحد 7 يونيو 2026 إلى انتخابات برلمانية تحمل وزنًا سياسيًا يتجاوز حدود التنافس الحزبي الداخلي. يسعى رئيس الوزراء نيكول باشينيان وحزب «العقد المدني» إلى تجديد التفويض الشعبي على أساس السلام مع أذربيجان وتعميق العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من التوتر مع روسيا بسبب ملف ناغورنو كاراباخ. في المقابل، تتحرك قوى معارضة مؤيدة لموسكو لاستعادة العلاقات الوثيقة معها، وسط تقارير عن ضغوط اقتصادية وإعلامية روسية. وتتابع بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الاقتراع، بينما تظهر الاستطلاعات تقدم باشينيان من دون حسم كامل للنتيجة.

لا تبدو انتخابات أرمينيا المقررة يوم الأحد 7 يونيو 2026 مجرد جولة برلمانية عادية. فالاقتراع يأتي في لحظة يتداخل فيها الداخل السياسي مع موقع البلاد بين روسيا والغرب، بعدما بات خيار يريفان الخارجي من أبرز ملفات التنافس بين الحكومة والمعارضة.
يقود رئيس الوزراء نيكول باشينيان السباق عبر حزب «العقد المدني»، واضعًا في صدارة برنامجه التقارب مع الاتحاد الأوروبي، والسعي إلى السلام مع أذربيجان. في المقابل، تواجه حكومته ضغطًا روسيًا اقتصاديًا وإعلاميًا متصاعدًا، في محاولة لإبطاء التحول الأرميني نحو الغرب.
نيكول باشينيان بعد ثورة المخمل
وصل نيكول باشينيان إلى السلطة بعد ثورة المخمل عام 2018، ثم عزز موقعه في انتخابات 2018 و2021 التي أكدت حضوره الشعبي. لكن المرحلة الحالية تختلف عن تلك السنوات، لأن السؤال لم يعد متعلقًا فقط باستمرار الحكومة، بل بات مرتبطًا بالاتجاه الجيوسياسي الكامل لأرمينيا.
يعرض باشينيان رؤيته تحت عنوان «أرمينيا الحقيقية»، وهي رؤية تقوم على السلام مع الجيران وتوسيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وضمن هذا المسار، برزت خطوات مثل استضافة قمة أوروبية أوكرانية في يريفان وتوقيع اتفاقيات استراتيجية، وفق ما ورد في المعلومات المنسوبة إلى تقارير دولية.
ناغورنو كاراباخ وتراجع الثقة في موسكو
غيّر ملف ناغورنو كاراباخ حسابات أرمينيا تجاه روسيا. فقد أدت السيطرة الأذرية الكاملة على الإقليم عام 2023، وما تبعها من نزوح نحو 100 ألف أرمني، إلى مراجعة واسعة في يريفان لطبيعة العلاقة مع موسكو ودورها كحليف أمني.
اتهمت أرمينيا روسيا بعدم تقديم الدعم الكافي لها بوصفها حليفًا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO). وبعد ذلك، علّق نيكول باشينيان مشاركة بلاده في المنظمة، واتجه إلى البحث عن شركاء أمنيين جدد في أوروبا والهند وفرنسا والولايات المتحدة.
روسيا تضغط اقتصاديًا وإعلاميًا
تتعامل موسكو مع انتخابات أرمينيا باعتبارها اختبارًا لنفوذها في جنوب القوقاز، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو ثلاثة ملايين نسمة. وتشير تقارير دولية إلى أن نتيجة الاقتراع قد تحدد قدرة روسيا على الاحتفاظ بموقعها التقليدي في أرمينيا خلال السنوات المقبلة.
بحسب صحيفة نيويورك تايمز، واجه باشينيان حملة معلوماتية تضمنت ادعاءات كاذبة عن الفساد والمرض المزمن والتآمر ضد روسيا. كما أفادت وكالة رويترز، نقلًا عن مصادر استخباراتية غربية، بوجود خطط سرية تشمل نقل عشرات الآلاف من الأرمن المقيمين في روسيا جوًا للتصويت لصالح أحزاب معارضة موالية لموسكو، إلى جانب إنشاء مواقع إلكترونية مزيفة وشبكات بوتات مرتبطة بالكرملين.

الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وسلاح التجارة
استخدمت موسكو أدوات اقتصادية مباشرة في الأسابيع الأخيرة، بينها حظر مؤقت على واردات أرمينية تشمل الزهور والمياه المعدنية والكونياك والخضروات والفواكه. كما حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خسائر اقتصادية محتملة إذا واصلت يريفان تقاربها مع الغرب، مستشهدًا بأزمة أوكرانيا كمثال.
رغم ذلك، لا تزال الروابط الاقتصادية مع موسكو مؤثرة في أرمينيا. فالغاز الروسي يبقى رخيصًا نسبيًا بالنسبة إلى يريفان، بينما يمثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU) شريانًا تجاريًا مهمًا، إذ تستحوذ روسيا على نحو 36% من التجارة الخارجية الأرمينية بحسب بيانات 2025.
المعارضة الأرمينية وخط العودة إلى موسكو
تضم المعارضة أحزابًا وتحالفات تدعو إلى استعادة العلاقات الوثيقة مع روسيا. ويبرز بينها تحالف «أرمينيا» بقيادة الرئيس السابق روبرت كوتشاريان، وحزب «أرمينيا القوية» بقيادة الملياردير سامفيل كارابيتيان، الذي يحاكم حاليًا بتهمة التآمر.
يتهم قادة المعارضة نيكول باشينيان بالتنازل عن كاراباخ واستخدام السلطة لقمع المنافسين. لكن هذه القوى لا تدخل السباق كجبهة واحدة، إذ تمنعها الانقسامات من تشكيل كتلة موحدة قادرة على مواجهة حزب «العقد المدني» بصورة مباشرة.
استطلاعات الرأي ورقابة الاقتراع
وفق استطلاع أجراه معهد الجمهوريين الدولي، يتقدم حزب «العقد المدني» بنسبة 32%. لكن الرقم لا يمنح نيكول باشينيان ضمانة كاملة، لأن نحو 40% من الناخبين لا يثقون بأي سياسي، ما يجعل النتيجة مفتوحة رغم توقعات الفوز النسبي للحزب الحاكم.
تراقب الانتخابات بعثة طويلة الأمد من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، عبر مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (OSCE/ODIHR). وتأتي هذه الرقابة وسط تحذيرات من محاولات تدخل خارجي، في اقتراع ينظر إليه مراقبون باعتباره استفتاء غير مباشر على مستقبل علاقة أرمينيا مع موسكو.
جنوب القوقاز أمام مفترق أرميني
إذا حافظ نيكول باشينيان على السلطة، فمن المتوقع أن يستمر مسار السلام مع أذربيجان والتقارب مع الاتحاد الأوروبي، مع تعزيز الشراكات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. أما صعود المعارضة المؤيدة لروسيا فقد يفتح الباب أمام تغيير في المسار السياسي والأمني الذي اتبعته يريفان خلال السنوات الأخيرة.
بهذا المعنى، لا تقف انتخابات أرمينيا عند حدود تشكيل البرلمان المقبل. فالاقتراع يرتبط بمستقبل السلام مع أذربيجان، وبمكانة روسيا في جنوب القوقاز، وبمدى قدرة يريفان على بناء توازن جديد بين شركائها الأمنيين والاقتصاديين.
##لماذا تعد انتخابات أرمينيا 2026 اختبارًا لموقع يريفان بين روسيا والغرب؟
لأن الاقتراع لا يحدد شكل البرلمان فقط، بل يحدد اتجاه أرمينيا الخارجي بعد صدمة ناغورنو كاراباخ. فبقاء نيكول باشينيان يعني استمرار التقارب مع الاتحاد الأوروبي ومسار السلام مع أذربيجان، بينما قد يعيد صعود المعارضة الموالية لموسكو البلاد نحو النفوذ الروسي التقليدي.
##كيف تضغط روسيا على أرمينيا قبل الانتخابات؟
تستخدم موسكو أدوات اقتصادية وإعلامية للحد من اندفاع يريفان نحو الغرب، بينها حظر مؤقت على واردات أرمينية، وتحذيرات من خسائر اقتصادية، وحملات معلوماتية تستهدف باشينيان، إضافة إلى تقارير عن محاولات دعم قوى معارضة موالية لروسيا.




