رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
04:55 ص calendar الأحد 07 يونيو 2026

داء النوم الأفريقي: الطفيلي الذي يتلاعب بجهاز المناعة

أبحاث متقدمة من كلية جونز هوبكنز بلومبيرغ تكشف عن استراتيجيات طفيلي Trypanosoma brucei في البقاء داخل جسم العائل، مما يفتح آفاق جديدة لعلاج الأمراض المزمنة وتحسين فعالية الاستجابة المناعية.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

كشفت دراسة حديثة من “كلية جونز هوبكنز بلومبيرغ للصحة العامة” عن آلية بقاء الطفيلي Trypanosoma brucei، المسبب لداء النوم الأفريقي، لفترات طويلة داخل جسم العائل. يُظهر البحث أن الطفيلي يختبئ في الأنسجة، حيث يتمكن من تغيير غلافه السطحي بشكل منتظم، مما يساعده على التهرب من الأجسام المضادة. تشير النتائج إلى أن الأنسجة تشكل ملاذًا آمنًا للطفيلي، مما يمكّنه من تطوير عدد أكبر من المتغيرات لمواجهة الجهاز المناعي للعائل. هذه الاكتشافات توفر رؤى جديدة حول كيفية معالجة الإصابات المزمنة وتطوير استراتيجيات فعالة للتصدي لهذا الطفيلي الخبيث.


صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

دراسة جديدة تكشف قدرة طفيلي داء النوم الأفريقي على التهرب من المناعة البشرية

 

قاد باحثون من “كلية جونز هوبكنز بلومبيرغ للصحة العامة” دراسة جديدة توضح كيفية بقاء الطفيلي المسبب لداء النوم الأفريقي، Trypanosoma brucei، في جسم العائل لفترات طويلة. كما يساهم هذا الطفيلي في الأمراض المرتبطة بالماشية والحيوانات الأخرى. الدراسة، التي نُشرت في مجلة Nature بتاريخ 30 أكتوبر، قد تفتح آفاقًا جديدة لفهم الاستجابة المناعية لمسببات الأمراض الأخرى.

اعتمد الباحثون في دراستهم على نموذج فأر، حيث اكتشفوا أن الطفيلي يمارس نوعًا من “الاختباء” داخل أنسجة العائل، مما يمكّنه من تعديل غلافه السطحي بشكل مستمر والتهرب من الأجسام المضادة.

داء النوم الأفريقي: تهديد قاتل للبشر والحيوانات

 

داء النوم الأفريقي، المعروف علميًا باسم داء المثقبيات الأفريقي البشري، يُصنف كمرض استوائي مهمل، ويعتبر قاتلاً للبشر إذا لم يُعالج. على الرغم من أن جهود مكافحة الذبابة الناقلة “تسي تسي” وحملات العلاج ساهمت في الحد من انتشار المرض، إلا أن الطفيلي Trypanosoma brucei لا يزال يسبب خسائر كبيرة للمزارعين في أفريقيا. حيث يُقدر عدد رؤوس الماشية التي تتوفى بسببه بنحو ثلاثة ملايين رأس سنويًا، مما يشكل تهديدًا كبيرًا للأمن الغذائي والاقتصادي في المنطقة.

استراتيجية الطفيلي لتغيير مظهره والتهرب من المناعة

 

يستخدم طفيلي Trypanosoma brucei تقنية تغيير غلافه السطحي، والذي يتكون من ملايين النسخ من بروتين واحد يُعرف بالبروتين السكري السطحي المتغير (VSG). عندما يتعرف جهاز المناعة لدى العائل على بروتين VSG، يكون الطفيلي قد انتقل إلى نوع جديد لم تكتشفه الأجسام المضادة بعد. وتسمح له هذه القدرة بتغيير مظهره باستمرار للتهرب من الاستجابة المناعية للعائل.

دور الأنسجة في عملية الاختباء

 

يدخل الطفيلي إلى مجرى الدم عبر لدغة ذبابة “تسي تسي”، ولكنه يستقر أيضًا في الأنسجة خارج الأوعية الدموية، مما كان دورها في هذه العملية غير واضح في السابق. ولتوضيح هذه الآلية، استخدم الباحثون تقنية تسلسل RNA لتحديد أنواع بروتينات VSG التي تظهر على الطفيلي على مدار الزمن خلال الإصابة في الفئران. هذه الدراسة تسلط الضوء على أهمية فهم كيفية بقاء الطفيلي في جسم العائل لفترات طويلة، مما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج داء النوم الأفريقي.

أنسجة العائل: الملاذ الآمن للطفيلي

 

أظهرت الدراسة أن غالبية بروتينات VSG تتواجد في الأنسجة أكثر من مجرى الدم، وأن الجهاز المناعي يستغرق وقتًا أطول للتخلص من الطفيلي في هذه المواقع. وتشير النتائج إلى أن انتقال الطفيلي من مجرى الدم إلى الأنسجة يمنحه “مساحة للتنفس”، تمكنه من توليد عدد كافٍ من متغيرات VSG لضمان بقائه في جسم العائل لفترات طويلة، مما يساعده على استمرار الانتقال من مضيف إلى آخر.

آفاق جديدة في فهم التهرب المناعي

 

ووفقًا للدكتورة مونيكا مونييه، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة الأحياء الدقيقة وعلم المناعة في “كلية بلومبيرغ”، فإن “هذا البحث يفتح آفاقًا جديدة لفهم آلية التهرب المناعي في إصابة T. brucei، وقد يسهم في تطوير استراتيجيات لعلاج الإصابات المزمنة الأخرى”. هذه الاكتشافات قد تعزز الجهود المبذولة لمكافحة داء النوم الأفريقي وتقديم علاجات فعالة ضد الطفيليات المماثلة.

الطفيلي في الطبيعة: الخزانات الحاملة للمرض

 

ينتشر طفيلي T. brucei في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تستضيفه العديد من الثدييات البرية دون أن تظهر عليها أعراض المرض، مما يجعلها خزانات طبيعية للمرض. في المقابل، يمكن أن يسبب الطفيلي إصابات مزمنة في البشر والحيوانات الأليفة، مثل الماشية والأغنام، حيث تظهر أعراض شديدة تتفاقم في المراحل المتقدمة من المرض.

التنوع البروتيني كاستراتيجية للبقاء

 

وأوضحت الدراسة أن الباحثين عند تتبعهم لبروتينات VSG خلال العدوى، لاحظوا أن التنوع الأكبر في البروتينات يظهر في الأنسجة، وليس في الدم. وتظل الأنسجة حاضنة آمنة للطفيلي، مما يسمح له بتطوير عدد أكبر من المتغيرات، مما يزيد من فرص بقائه وانتشاره. هذه الآلية تعزز من قدرة الطفيلي على التكيف والتفوق على استجابة الجهاز المناعي لدى العائل، مما يتطلب استراتيجيات جديدة للتصدي لهذا التهديد الصحي.

رؤية جديدة لعلاج الأمراض المزمنة

 

تقول الدكتورة مونييه: “كان يُعتقد في السابق أن الأنسجة هي مواقع ثانوية لإصابة T. brucei، لكننا الآن نرى أنها قد تكون حيوية في استمرارية العدوى”. تشير مونييه إلى أن منع قدرة الطفيلي على الانتقال من الدم إلى الأنسجة قد يكون كافيًا للسماح للجهاز المناعي بالقضاء على العدوى، مما يمثل استراتيجية علاجية جديدة وفعالة.

استراتيجية علاجية مستحدثة

 

وتضيف مونييه أن هذا الأسلوب قد يتبعه أيضًا مسببات أمراض أخرى، مثل بكتيريا داء لايم، حيث تستغل المساحات خارج الأوعية لتأسيس إصابات مزمنة. وتؤكد: “قد تكون إصابة T. brucei نموذجًا مفيدًا لفهم كيفية فشل المناعة في القضاء على بعض مسببات الأمراض، وكيف استغلت تلك الأخيرة المساحات خارج الأوعية الدموية لتثبيت إصابات طويلة الأمد”.

هذه الرؤية الجديدة تقدم أملًا كبيرًا في تطوير علاجات أكثر فعالية لمواجهة الأمراض المزمنة، مستفيدة من الفهم المتزايد لديناميكيات العدوى ومقاومة الجهاز المناعي.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط