رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
07:08 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الدنمارك تعتذر عن حملة منع الحمل القسري وسط ضغوط أمريكية في غرينلاند

اعتذار رسمي للنساء الإينويتيات المتضررات من الحملة السرية يعيد فتح جراح الماضي بينما تكشف تقارير عن نفوذ أمريكي متزايد في غرينلاند

اعتذار الدنمارك عن
اعتذار الدنمارك عن حملة منع الحمل القسري في غرينلاند يواكب كشف تدخل أمريكي سري - Illustration

    في خطوة تاريخية تعيد فتح جراح الماضي، قدمت الدنمارك اعتذاراً رسمياً عن الحملة في غرينلاند، بينما تتصاعد المخاوف من تدخل أمريكي سري يهدف إلى زعزعة العلاقة بين كوبنهاغن ونووُك

    كشفت القضية في غرينلاند عن واحدة من أكثر الصفحات ظلاماً في تاريخ الدنمارك، حيث تعرضت آلاف النساء لإدخال أجهزة منع الحمل دون علمهن أو موافقتهن. رئيسة الوزراء الدنماركية قدمت اعتذاراً رسمياً للنساء الإينويتيات، مؤكدة أن ما حدث كان تمييزاً ممنهجاً لا يغتفر. وبينما تستعد الحكومتان لمناقشة التعويضات، تتزامن القضية مع تقارير عن تدخل أمريكي سري مرتبط بدوائر الرئيس دونالد ترامب، يسعى إلى تشجيع انفصال غرينلاند عن الدنمارك. هذه التطورات تعكس كيف يتقاطع البعد الإنساني مع التنافس الجيوسياسي على واحدة من أهم مناطق القطب الشمالي.


    ترامب - Illustration
    ترامب - Illustration

    حملة منع الحمل القسري في غرينلاند

     

    في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تعرضت آلاف النساء والفتيات في غرينلاند لسياسة صحية سرية فرضتها السلطات الدنماركية، تمثلت في إدخال أجهزة منع الحمل داخل الرحم (IUDs) دون موافقتهن أو علمهن. هذه الممارسات التي شملت حتى 4500 امرأة، لم تكن مجرد إجراءات طبية، بل شكلت تمييزاً ممنهجاً ضد نساء الإينويت، تاركة آثاراً صحية ونفسية عميقة، من العقم إلى الآلام المزمنة.

    كشف الفضيحة عبر الإعلام

     

    الملف ظل طي الكتمان لعقود، قبل أن تكشفه إذاعة الدنمارك عام 2022 من خلال بودكاست "Spiralkampagnen". التحقيق أعاد للواجهة أصوات نساء غرينلانديات، كثير منهن بلغن اليوم السبعينيات والثمانينيات من العمر، يروين قصصاً عن معاناة صامتة جرت خلف الأبواب المغلقة.

    اعتذار رسمي تاريخي

     

    في 27 أغسطس 2025، وقفت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن لتقول ببساطة: "أنا آسفة". اعترافها لم يكن بروتوكولياً، بل وصفته الصحافة بأنه خطوة شجاعة في مواجهة الماضي. فريدريكسن أكدت أن ما جرى كان "تمييزاً منهجياً ضد نساء غرينلاند بسبب هويتهن الإينويتية"، وأقرت بأن الاعتذار لا يمحو الألم لكنه يعكس مسؤولية الدولة.

    دور غرينلاند في الاعتذار

     

    الحكومة الغرينلاندية نفسها شاركت في الاعتذار، معترفة بمسؤوليتها عن صمت الماضي. هذا الموقف حمل دلالات سياسية وإنسانية، حيث أعاد الاعتبار إلى آلاف العائلات التي عانت لعقود من آثار الحملة.

    قضايا التعويضات أمام القضاء

     

    بالتوازي مع الاعتذار، تواجه الدنمارك دعاوى قضائية رفعها أكثر من 200 امرأة، بينهن 143 في عام 2024 طالبن بتعويضات تصل إلى 43 مليون كرونة. هذه القضايا تضع كوبنهاغن أمام اختبار صعب: كيف يمكن تعويض سنوات من المعاناة الإنسانية؟

    النفوذ الأمريكي في غرينلاند

     

    لكن الجراح القديمة لم تطغَ على التوترات الجديدة. في اليوم نفسه، استدعت الدنمارك الدبلوماسي الأمريكي الأعلى في كوبنهاغن لمساءلته حول تقارير تشير إلى تدخل أمريكي سري في غرينلاند. التحقيقات الإعلامية تحدثت عن شخصيات مقربة من الرئيس دونالد ترامب تعمل على تجنيد غرينلانديين وتشجيع حركة انفصالية عن الدنمارك.

    الولايات المتحدة تريد السيطرة على غرينلاند - Illustration
    الولايات المتحدة تريد السيطرة على غرينلاند - Illustration

    مخاوف استخباراتية متزايدة

     

    الاستخبارات الدنماركية (PET) أكدت أن غرينلاند أصبحت هدفاً لعمليات نفوذ أجنبية، مشيرة إلى أساليب "القوة الناعمة" ونشر الشائعات لبث الانقسام الداخلي. هذه التحركات، وفق المحللين، تسعى إلى تقويض العلاقة بين كوبنهاغن ونوُوك تمهيداً لتعزيز النفوذ الأمريكي على الجزيرة.

    ترامب وغرينلاند… حلم قديم يتجدد

     

    تصريحات ترامب منذ رئاسته لم تخفِ رغبته في السيطرة على غرينلاند، واصفاً الجزيرة بأنها "ضرورة مطلقة" للأمن القومي الأمريكي. محاولاته لم تقتصر على الكلام، بل شملت زيارات غير رسمية لمسؤولين أمريكيين مثل نائب الرئيس جي دي فانس إلى غرينلاند في مارس 2025، خطوة وصفتها فريدريكسن بأنها "ضغط غير مقبول".

    البعد الجيوسياسي للقطب الشمالي

     

    المنافسة على القطب الشمالي تتجاوز حدود الدنمارك والولايات المتحدة، إذ تلعب روسيا والصين أيضاً دوراً متنامياً في المنطقة. ومع الثروات المعدنية الضخمة والموقع الاستراتيجي، تصبح غرينلاند ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى. في هذا السياق، يبدو أن الاعتذار عن منع الحمل القسري ليس مجرد تصفية حساب مع الماضي، بل جزء من استراتيجية لتعزيز روابط كوبنهاغن مع نوُوك في مواجهة التدخلات الخارجية.

    بين الماضي المؤلم والحاضر المليء بالتحديات

     

    الاعتذار الدنماركي والتقارير عن النفوذ الأمريكي يعكسان كيف تتقاطع القضايا الإنسانية مع الحسابات السياسية. غرينلاند اليوم تجد نفسها محط أنظار العالم، ليس فقط بسبب جراح الماضي، ولكن أيضاً بسبب مستقبلها الذي قد يحدد موازين القوة في القطب الشمالي.

    تم نسخ الرابط