سوريا على موعد مع انتخابات انتقالية غامضة بعد سقوط الأسد وسط غياب التصويت في ثلاث محافظات
البلاد تستعد لأول اقتراع منذ 13 عامًا وسط انتقادات حادة لآلية الاختيار الرئاسي وتأجيل الاقتراع في الرقة والحسكة والسويداء
تُجرى الانتخابات لأول مرة منذ سقوط بشار الأسد بآلية هيئات انتخابية لثلثي المقاعد وتعيين رئاسي للباقي، فيما تُؤجَّل محافظات الرقة والحسكة والسويداء وتتصاعد ملاحظات المجتمع المدني حول الاستقلال والتمثيل.
تستعد سوريا لإجراء أول انتخابات برلمانية منذ سقوط بشار الأسد، غير أن الاقتراع لن يشمل كل المحافظات. آلية التصويت تعتمد على هيئات انتخابية تختار ممثلي ثلثي مقاعد مجلس الشعب من أصل 210، بينما يعين الرئيس المؤقت أحمد الشرع بقية المقاعد خلال المرحلة الانتقالية. السلطات أرجأت الاقتراع في الرقة والحسكة والسويداء لأسباب أمنية وسياسية، ما يعني أن الاختيار سيجري فقط في 50 من 60 دائرة لنحو 120 مقعدًا تقريبًا. تشرف لجنة عليا من 11 عضوًا اختارهم الرئيس، وتفرض شروطًا على العضوية والترشح، وسط انتقادات من منظمات مدنية وشخصيات كردية ترى أن الترتيبات تمنح السلطة التنفيذية نفوذًا مباشرًا على التمثيل. وفي خطابه أمام الأمم المتحدة وعد الشرع بالمحاسبة وبناء مؤسسات تكفل الحقوق للجميع.

آلية الاقتراع والتمثيل الانتقالي
لن يُجرى اقتراع مباشر لمجلس الشعب المسؤول عن التشريع خلال الفترة الانتقالية، إذ تختار هيئات انتخابية ممثلي ثلثي المقاعد من مجموع 210 مقاعد، على أن يعيّن أحمد الشرع الثلث المتبقي. توزَّع المقاعد على 60 دائرة وفق تعداد 2010 قبل الحرب التي استمرت 13 عامًا وأسفرت عن أكثر من 600,000 قتيل و12 مليون نازح. جاء سقوط الأسد قبل 10 أشهر على يد قوات الشرع، لتبدأ ترتيبات انتقالية تُعيد تشكيل المشهد التشريعي على قاعدة توزيع الأدوار بين هيئات الاختيار والتعيين الرئاسي، مع جدل حول مدى انعكاس ذلك على قدرة المجلس على التشريع المستقل.
تأجيل التصويت في الرقة والحسكة والسويداء
أعلنت اللجنة العليا أنه لا يمكن إجراء الانتخابات في الرقة والحسكة والسويداء بسبب الوضعين الأمني والسياسي، فتظل 20 مقعدًا مخصصة لهذه المحافظات شاغرة إلى حين التمكن من التصويت. نتيجة ذلك ستختار الهيئات في 50 دائرة فقط ممثلين لما يقرب من 120 مقعدًا يوم الأحد. تشهد الحسكة والرقة هيمنة لقوات سوريا الديمقراطية التي تقف على خلاف مع الحكومة الانتقالية حول تنفيذ اتفاق مارس لدمج المؤسسات. وفي السويداء تصاعد التوتر بعد اشتباكات يوليو بين ميليشيات درزية وقبائل بدوية سنية وتدخل القوات الحكومية، مع سقوط أكثر من 1,000 قتيل معظمهم من الدروز وفق متابعات حقوقية.
الإشراف والاشتراطات ومعايير المشاركة
تتولى اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب الإشراف على العملية، وتتكون من 11 عضوًا اختيروا بقرار رئاسي في يونيو. عدد المرشحين يتجاوز 1,500، ويشترط في المرشح أن يكون عضوًا في الهيئة الانتخابية. استُبعد مؤيدو «النظام السابق أو التنظيمات الإرهابية»، وكذلك الداعون إلى «الانفصال أو التقسيم أو طلب التدخل الخارجي». فُرضت نسبة أدنى 20% للنساء داخل الهيئات الانتخابية، دون تحديد حصص للنساء في المجلس أو للأقليات الإثنية والدينية. هذه المحددات تعيد تعريف باب التمثيل لكنها تُبقي الجدل قائمًا حول شمول العملية وتوازنها.

انتقادات المجتمع المدني والمخاوف من النفوذ التنفيذي
عبّرت 14 مجموعة من المجتمع المدني السوري الشهر الماضي عن قلق من أن اختيار الرئيس لأعضاء اللجنة العليا ومنحه حق تعيين 70 مقعدًا يمنحه تأثيرًا مباشرًا على تشكيل البرلمان. جاء في بيان مشترك أن «هذا الإعداد يجعل البرلمان عرضة لموازين قوى لا تعكس إرادة الناخبين ويُضعف طبيعته التمثيلية». كما اعتبر البيان أن التأثير الرئاسي المباشر وغير المباشر على اللجنة والهيئات يجعل الانتخابات «رمزية في أحسن الأحوال». هذه الملاحظات تضع شرعية العملية على محك النقاش العام قبيل يوم الاقتراع.
مواقف كردية وانتقادات لطريقة الإدارة
قالت ثريا مصطفى من حزب الاتحاد الديمقراطي إن مجريات الانتخابات وتأجيلها تعكس «العقلية ذاتها كالسابق»، مؤكدة رؤية تعتبر الحكومة الانتقالية غير ممثلة لإرادة السوريين. تزامن ذلك مع استمرار حالة «الشد والجذب» بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية بشأن دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في الدولة. في المقابل، دافعت اللجنة العليا عن قرار التأجيل معتبرة أنه مرتبط بالأوضاع الراهنة. يبرز هنا سؤال التضمين السياسي للأطراف المحلية ومدى تهيئة البيئة القانونية لمشاركة أوسع خلال المسار الانتقالي.
خطاب الشرع أمام الأمم المتحدة ورسائل الداخل
في أول خطاب لرئيس سوري أمام الجمعية العامة منذ 60 عامًا، تعهّد أحمد الشرع بمحاسبة كل من تورط في الدماء بما في ذلك مرتكبو الفظائع في عهد الأسد، وأكد أن سوريا «تعيد بناء نفسها عبر تأسيس دولة جديدة ومؤسسات وقوانين تكفل حقوق الجميع بلا استثناء». على الأرض تتباين المواقف الشعبية، إذ وصف حسام نصر الدين العملية بأنها «أقرب للتعيين»، مؤكدًا أن مجلس الشعب يجب أن ينتخب مباشرة. تحدد هذه الأصوات موقع الانتخابات بين ضرورة الاستقرار ومطلب التمثيل المباشر في مجتمع أنهكته الحرب.



