اتفاق دفاعي جديد بين أستراليا وبابوا غينيا الجديدة يتيح وصول القوات الأسترالية إلى القواعد العسكرية ويعزز مواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهادئ
البلدان يوقعان «معاهدة بوكبوك» التي تنص على التعاون العسكري المتكامل والدفاع المشترك في حال التعرض لهجوم، مع السماح لآلاف الغينيين بالانضمام إلى الجيش الأسترالي
توقيع معاهدة دفاع مشترك بين أستراليا وبابوا غينيا الجديدة يسمح بالتدريب المشترك وتبادل القوات ويمنح آلاف الغينيين فرصة الخدمة في الجيش الأسترالي، ضمن جهود تعزيز الأمن في منطقة المحيط الهادئ.
في خطوة استراتيجية تعكس تصاعد التنافس في منطقة المحيط الهادئ، وقّعت أستراليا وبابوا غينيا الجديدة اتفاقاً دفاعياً جديداً يُعرف باسم «معاهدة بوكبوك»، يتيح لكل طرف الوصول إلى القواعد العسكرية للطرف الآخر وتقديم الدعم في حال التعرض لهجوم. الاتفاق يتيح لما يصل إلى 10 آلاف من مواطني بابوا غينيا الجديدة الالتحاق بالقوات المسلحة الأسترالية مع إمكانية الحصول على الجنسية. وتأتي الخطوة في ظل محاولات أستراليا وحلفائها الغربيين كبح النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة بعد توقيع بكين اتفاقات أمنية مع دول مثل جزر سليمان وفانواتو. ورغم تأكيد قادة البلدين أن المعاهدة ليست موجهة ضد أي طرف، إلا أن المراقبين يرون فيها تحركاً استراتيجياً لاحتواء الصين وإعادة رسم خريطة الأمن في المحيط الهادئ.

تحالف دفاعي جديد في المحيط الهادئ
أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي ونظيره من بابوا غينيا الجديدة جيمس مارابي توقيع اتفاق دفاعي شامل يضمن التعاون العسكري المشترك بين البلدين. وتنص «معاهدة بوكبوك» على أن أي هجوم مسلح ضد أحد البلدين يُعد تهديداً لسلام وأمن الطرف الآخر، وأن الجانبين سيتحركان لمواجهة الخطر المشترك. المعاهدة سُميت تيمناً بكلمة «بوكبوك» التي تعني «التمساح» في لغة بابوا المحلية، في إشارة إلى القوة والقدرة على الردع.
بناء على ثقة تاريخية وتحالف طويل الأمد
أكد رئيس الوزراء الأسترالي ألبانيزي أن الاتفاق الجديد «يقوم على أجيال من الثقة المتبادلة» بين البلدين، مشدداً على أن الهدف هو «ضمان بقاء المحيط الهادئ منطقة آمنة ومستقرة ومزدهرة». من جهته، أوضح رئيس وزراء بابوا غينيا الجديدة أن بلاده كانت «شفافة تماماً» مع الصين بشأن الاتفاق، مضيفاً: «أستراليا هي شريكنا الأمني الأول، لكننا لم نضحِّ بعلاقاتنا مع بكين».
إتاحة الانضمام إلى الجيش الأسترالي
يتضمن الاتفاق بنداً يسمح لما يصل إلى عشرة آلاف من مواطني بابوا غينيا الجديدة بالانضمام إلى الجيش الأسترالي، مع منحهم لاحقاً فرصة الحصول على الجنسية. ويرى محللون أن هذه الخطوة ستساعد أستراليا في معالجة أزمة نقص المجندين التي تواجهها مؤخرًا، بينما تمنح الغينيين فرصة لتأمين وظائف مستقرة وتحسين أوضاعهم المعيشية.
رسالة استراتيجية إلى الصين والولايات المتحدة
يرى أوليفر نوبتاو، مدير مشروع معهد «لاوي» الأسترالي، أن الاتفاق يبعث برسالتين واضحتين: الأولى إلى الصين بأن بابوا غينيا الجديدة لن تسمح لبكين بالوصول إلى بنيتها التحتية العسكرية، والثانية إلى الولايات المتحدة بأن أستراليا وبابوا غينيا الجديدة قادرتان على «إدارة شؤونهما الأمنية بشكل متكافئ دون الاعتماد الكامل على واشنطن».
وأضاف نوبتاو أن الاتفاق يشمل أيضاً «تعاوناً متقدماً في مجالات الفضاء الإلكتروني والحرب الكهرومغناطيسية»، إلى جانب تدريبات عسكرية سنوية لرفع مستوى الجاهزية والانسجام بين القوات.
ردود فعل داخل بابوا غينيا الجديدة
رغم الترحيب الرسمي بالاتفاق، عبّر بعض القادة العسكريين السابقين عن مخاوفهم من أن يؤدي التحالف الجديد إلى تراجع استقلال القرار الأمني في بلادهم. وقال القائد العام الأسبق للجيش، جيري سينجيرو، إن «الاتفاق قد يكون مكلفاً سياسياً لبابوا غينيا الجديدة، لأن الصين ليست عدواً لنا، ولا ينبغي أن نصبح ساحة صراع بين القوى الكبرى».
من جهتها، حذرت الباحثة النيوزيلندية آنا بولز من أن المعاهدة قد «تتعارض مع سياسة بابوا غينيا الجديدة القائمة على مبدأ الأصدقاء للجميع، الأعداء لا أحد»، مشيرة إلى ضرورة توضيح الالتزامات المتبادلة في الاتفاق.
امتداد لاتفاقات أمنية أوسع في المنطقة
تأتي «معاهدة بوكبوك» ضمن سلسلة من الاتفاقات التي عقدتها أستراليا مؤخراً مع دول المحيط الهادئ، شملت جزر سليمان وتوفالو وفانواتو، بهدف تعزيز نفوذها الأمني ومواجهة التمدد الصيني. ففي العام الماضي، خصصت كانبيرا 190 مليون دولار لتطوير الشرطة في جزر سليمان، كما وقعت اتفاقاً بـ328 مليون دولار مع فانواتو يتضمن مشاريع للبنية التحتية ومراكز بيانات وأمن المناخ.
تعزيز الاستقرار الإقليمي
يرى مراقبون أن الاتفاق الجديد سيشكل ركيزة أساسية في إعادة صياغة توازن القوى في المحيط الهادئ، ويمنح أستراليا موقع القيادة في شبكة تحالفات دفاعية إقليمية تُعرف بـ«نظام المركز والأطراف»، حيث تمثل أستراليا المركز، بينما تشكل الدول الجزرية الحليفة الأطراف الداعمة في إطار شبكة أمنية موحدة.
ويؤكد خبراء أن هذه الاتفاقات تُمكّن أستراليا من لعب دور أكثر فاعلية في ضمان الأمن البحري والرقمي في مواجهة التحديات المستقبلية في المنطقة.
نحو شراكة دفاعية شاملة
في ختام التوقيع، شدد ألبانيزي على أن الاتفاق «ليس موجهاً ضد أي طرف، بل من أجل استقرار المنطقة». ومع ذلك، يراه الخبراء جزءاً من سباق جيوسياسي متسارع بين الغرب والصين في منطقة المحيط الهادئ، حيث يسعى كل طرف لتوسيع نفوذه الاستراتيجي في دول الجزر الصغيرة التي تكتسب أهمية متزايدة في الأمن البحري العالمي.




