رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
07:08 م calendar السبت 18 يوليو 2026

زلزال سياسي في كييف: فضيحة فساد كبرى تهز حكومة زيلينسكي ومخطط رشاوى بمئة مليون دولار

تحقيق وطني يكشف شبكة فساد ضخمة داخل شركة الطاقة النووية الحكومية "إنيرجوأتوم" واستقالات مدوية تضرب قلب السلطة

تحقيق أوكراني يكشف
تحقيق أوكراني يكشف مخطط فساد هائل بقيمة مئة مليون دولار - Illustration

    ملخص

    في 12 نوفمبر 2025، شهدت أوكرانيا واحدة من أكثر فضائح الفساد صخباً منذ بداية الحرب، بعدما كشفت هيئة مكافحة الفساد الوطنية (NABU) والمدعي الخاص لمكافحة الفساد (SAP) عن شبكة مالية معقدة داخل شركة "إنيرجوأتوم" الحكومية للطاقة النووية. التحقيق، الذي استمر خمسة عشر شهراً، كشف أن مسؤولين نافذين أجبروا المقاولين على دفع رشاوى تتراوح بين عشرة وخمسة عشر بالمئة من قيمة العقود، مقابل استمرار عملهم في مشاريع حيوية لإمدادات الكهرباء الوطنية. وتسببت هذه الفضيحة في استقالة وزير العدل هيرمان هالوشتشينكو ووزيرة الطاقة سفيتلانا هرينتشوك، بعد دعوة مباشرة من الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى "تطهير الدولة من أي شبهة فساد".

    واحدة من أكثر فضائح الفساد صخباً منذ بداية الحرب - Illustration
    واحدة من أكثر فضائح الفساد صخباً منذ بداية الحرب - Illustration

    شبكة فساد تهز قلب قطاع الطاقة

     

    تشير التحقيقات إلى أن المخطط بدأ منذ عام 2023، عندما سيطرت مجموعة محدودة من الوسطاء والمسؤولين السابقين على عقود المشتريات داخل "إنيرجوأتوم". كانت العقود تُمنح مقابل عمولات نقدية ضخمة تُدفع في مكاتب مغلقة في كييف، حيث وُثقت أكثر من ألف ساعة من التسجيلات الصوتية لمحادثات بين المتورطين الذين استخدموا أسماء حركية مثل "كارلسون" و"البروفيسور" لتجنّب الكشف عن هوياتهم.
    ووفقاً لمصادر قريبة من التحقيق، تم غسل الأموال عبر شركات واجهة واستُخدمت لنقل مبالغ إلى الخارج، بعضها إلى روسيا، في مفارقة مأساوية تُظهر كيف يمكن للفساد أن يتسلل حتى في ظل الحرب.

    الشخصيات المتورطة ومسار التحقيق

     

    يُعد تيمور مينديتش، الشريك السابق للرئيس زيلينسكي في شركة الإنتاج التلفزيوني "كفارتال 95"، العقل المدبّر للشبكة، حيث كان يدير منظومة من الوسطاء الذين يتولّون جمع الأموال وتوزيعها. أما الوزير المستقيل هيرمان هالوشتشينكو، فقد وُصف في التحقيق بأنه "العقل التنفيذي" الذي سهل تمرير العقود، فيما نفت سفيتلانا هرينتشوك، وزيرة الطاقة السابقة، أي علاقة مباشرة لها بالمخطط، مؤكدة أنها ضحية تسييس الملف.
    كشفت مصادر داخل هيئة مكافحة الفساد أن عملية الاعتقالات شملت خمسة أشخاص، بينهم مستشارون كبار في وزارة الطاقة ورئيس سابق للأمن في الشركة، بينما لا تزال التحقيقات تتوسع لتشمل أطرافاً أخرى في الحكومة السابقة.

    مواقف القيادة وردود الأفعال الرسمية

     

    الرئيس فولوديمير زيلينسكي سارع إلى التأكيد أن أوكرانيا "لن تتسامح مع الفساد مهما كانت الظروف"، مشدداً على أن الحرب لا تبرر التجاوزات الأخلاقية أو المالية. وأعلنت رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو إقالة مجلس إشراف "إنيرجوأتوم" وبدء تدقيق شامل لكل مشاريعها الجارية، ووصفت ما حدث بأنه "اختبار للضمير الوطني".
    أما الوزير المستقيل هالوشتشينكو فقد قال في بيان مقتضب: "أغادر منصبي احتراماً للمؤسسات، لكنني واثق من براءتي". في حين أكدت سفيتلانا هرينتشوك أن استقالتها "ليست اعترافاً بالذنب، بل حفاظاً على ثقة الشعب".

    فضيحة فساد كبرى تهز حكومة زيلينسكي
    فضيحة فساد كبرى تهز حكومة زيلينسكي

    الفساد بين الحرب والبقاء

     

    تكشف هذه الفضيحة عن مفارقة مأساوية في المشهد الأوكراني: دولة تحارب من أجل بقائها، لكنها ما تزال تصارع شبح الفساد الذي يلتهم مؤسساتها من الداخل. ففي الوقت الذي تُوجَّه فيه المليارات من المساعدات الغربية لدعم الاقتصاد والبنية التحتية المنهكة، تنبثق قضايا فساد كأنها جروح قديمة لم تندمل بعد.
    ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا النوع من الفضائح لا يهدد فقط سمعة كييف أمام المانحين، بل يعرض أمنها الطاقوي للخطر في موسم شتاء يُتوقع أن يكون قاسياً. وبينما تواصل روسيا قصف منشآت الطاقة، تبدو أوكرانيا في حاجة إلى تطهير سياسي يعيد الثقة إلى الداخل والخارج معاً.

    الانعكاسات الدولية والسياسية

     

    لم تمر الفضيحة دون ردود دولية. فقد علّق المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن "الفساد في أوكرانيا أصبح واضحاً حتى لحلفائها الغربيين"، بينما رأت تقارير غربية أن التحقيق يُظهر قوة المؤسسات المستقلة رغم محاولات السلطة تقييدها سابقاً.
    وتخشى كييف من أن تؤثر القضية على مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي بشأن الانضمام، إذ تُعد مكافحة الفساد شرطاً محورياً في ملف العضوية. كما حذر مراقبون من أن استمرار القضايا المشابهة قد يُضعف ثقة الولايات المتحدة والدول الأوروبية في قدرة الحكومة على إدارة المساعدات الضخمة الموجهة إليها.

    أزمة ثقة وامتحان للديمقراطية الأوكرانية

     

    تتعامل كييف اليوم مع أزمة متعددة الأوجه — سياسية، وأخلاقية، واقتصادية. فبينما يواصل زيلينسكي دعواته للإصلاح والشفافية، يرى البعض أن الفساد في قطاع الطاقة يعكس خللاً أعمق في بنية الدولة بعد سنوات الحرب.
    ورغم الاستقالات والإجراءات القضائية، ما زال السؤال قائماً: هل هذه بداية لتطهير حقيقي أم مجرد استجابة عابرة لضغط الرأي العام؟ المؤكد أن هذه الفضيحة ستكون علامة فارقة في تاريخ أوكرانيا الحديث، بين دولة تحاول النجاة ودولة تُعيد اكتشاف نفسها في زمن النار والفساد.

    تم نسخ الرابط