استقالة أندري يرماك تعمّق أزمة الفساد في أوكرانيا
استقالة أندري يرماك، أقرب مستشاري الرئيس زيلينسكي، بعد مداهمة منزله في تحقيق فساد واسع، تأتي وسط حرب مع روسيا وضغوط أمريكية بشأن خطة سلام.
ملخص
تواجه أوكرانيا فصلًا جديدًا من أزمتها الداخلية بعد استقالة أندري يرماك، رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي وأقرب مستشاريه في فترة الحرب مع روسيا. الخطوة جاءت عقب مداهمة شقته في كييف من قبل المكتب الوطني لمكافحة الفساد والنيابة المتخصصة، رغم عدم توجيه اتهامات مباشرة إليه. الاستقالة تتزامن مع مفاوضات حساسة تقودها أوكرانيا مع الولايات المتحدة بشأن مسودة خطة سلام، ومع تحقيقات تطال شخصيات بارزة في فضيحة اختلاس ضخمة في قطاع الطاقة. في الخلفية، يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طرح شروطه القصوى، بينما تتعرض القيادة الأوكرانية لضغوط شعبية ودولية لمواصلة مكافحة الفساد.

أزمة الفساد تضغط على رئاسة زيلينسكي في أوكرانيا
أزمة الفساد التي تهز أوكرانيا منذ أسابيع خرجت من نطاق الملفات المالية لتصبح قضية سياسية تمس قمة السلطة. الرئيس زيلينسكي حذّر في خطاب حاد أمام مكتبه الرئاسي من أن الانقسام الداخلي قد يهدد مستقبل البلاد، وقال إن أوكرانيا تخاطر بخسارة نفسها ومستقبلها إذا سمحت للخلافات بأن تطغى على الحرب مع روسيا.
التحقيقات الأخيرة ركزت على شبهات باختلاس يقدَّر بمئة مليون دولار في قطاع الطاقة، شملت شخصيات نافذة في الدولة. المحققون تحدثوا عن شبكة واسعة من الرشى والتأثير على شركات مملوكة للدولة، بينها شركة الطاقة النووية "إنرهوآتوم"، في وقت تعتمد فيه أوكرانيا على هذه البنية الحيوية لمواجهة الهجمات الروسية على شبكتها الكهربائية مع بداية الشتاء.
مداهمة شقة أندري يرماك واستقالته من فريق زيلينسكي
مع تصاعد الغضب الشعبي، نفذ المكتب الوطني لمكافحة الفساد والنيابة المتخصصة لمكافحة الفساد مداهمة لشقة أندري يرماك في الحي الحكومي بكييف في ساعة مبكرة من الجمعة. يرماك أعلن عبر وسائل التواصل أنه يتعاون بالكامل مع المحققين، ولم تُعلن السلطات أسباب المداهمة أو توجيه اتهام مباشر له.
بعد المداهمة، أكد الرئيس زيلينسكي أن يرماك قدّم استقالته من منصبه رئيسًا لمكتبه وأقرب مستشاريه. زيلينسكي شكر يرماك على ما وصفه بدوره في الدفاع عن الموقف "الوطني" لأوكرانيا على طاولة المفاوضات، وأعلن أنه سيبدأ مشاورات لاختيار بديل له. الرئيس شدد على أن زمن الحرب يتطلب قوة داخلية، وأن بلاده لا تملك ترف الأخطاء أو الصراعات الداخلية.
أندري يرماك بين الحرب في أوكرانيا وخطة السلام الأمريكية
أندري يرماك كان شخصية محورية في إدارة الحرب في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي الشامل عام 2022. نفوذه السياسي الواسع جعله من أقرب المقربين من زيلينسكي، وامتد دوره مؤخرًا إلى ملفات التفاوض، بعد تكليفه بإدارة مسار محادثات مهمة تقودها أوكرانيا مع الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب بهدف إنهاء الحرب.
يرماك أوضح في مقابلة مع موقع "ذا أتلانتيك" أنه يتعرض لضغوط "هائلة" للاستقالة، وأكد أن القضية المثارة تتطلب تحقيقًا موضوعيًا ومستقلًا بعيدًا عن التأثير السياسي. في المقابلة نفسها، شدد على أن أوكرانيا لن تقدم تنازلات إقليمية ما دام زيلينسكي في الرئاسة، وقال إن أحدًا لا يجب أن يتوقع أن يوقّع الرئيس على التخلي عن أراضٍ أوكرانية لصالح روسيا.
ضغوط داخلية وشعبية على أندري يرماك في أوكرانيا
شعبية أندري يرماك تراجعت بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، مع اتساع دائرة الاتهامات السياسية حول نفوذه داخل الدولة. نواب من مختلف الأحزاب، بما في ذلك حزب الرئيس نفسه، دعوا علنًا إلى إقالته، بداية بسبب ما اعتبروه تضخمًا في سلطات مسؤول غير منتخب، ثم بسبب ارتباط اسمه بأزمة الفساد التي تتفاعل في البلاد.
استطلاعات للرأي أشارت إلى أن نحو 70% من المواطنين باتوا يطالبون برحيله عن المنصب، مع تنامي مشاعر الاستياء من طريقة إدارة بعض ملفات الدولة في زمن الحرب. استقالته تأتي أيضًا بعد إقالة وزيرة الطاقة سفيتلانا غرينتشوك ووزير العدل هيرمان هالوشينكو، إضافة إلى توقيف عدد من المشتبه بهم في قضايا مرتبطة بتحويل أموال من مشاريع بنية تحتية حيوية.

فضيحة الفساد في قطاع الطاقة وموقف حلفاء أوكرانيا
التحقيق في فضيحة الفساد يشمل شبكة يُشتبه في حصولها على رشاوى والتأثير في قرارات شركات حكومية، بينها "إنرهوآتوم" المسؤولة عن تشغيل المفاعلات النووية في أوكرانيا. هذه الاتهامات أثارت غضبًا واسعًا في الشارع، إذ تتحدث التحقيقات عن تحويل أموال من مشاريع تستهدف حماية منظومة الطاقة في بلد يعاني فعلًا من انقطاعات كهرباء تمتد لساعات يوميًا نتيجة الضربات الروسية.
شركاء أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي تابعوا تطورات هذه القضية بقلق، خاصة أن كييف تسعى إلى الانضمام للاتحاد وتعمل على إقناع العواصم الأوروبية بجدية التزامها بمكافحة الفساد. تقرير أوروبي حديث أشار إلى استمرار الشكوك بشأن التقدم في هذا الملف، في وقت يستغل فيه مسؤولون روس مشاركون في النقاش حول خطة السلام هذه الاتهامات لتقويض صورة القيادة الأوكرانية لدى الرأي العام الدولي.
زيلينسكي بين مكافحة الفساد والحفاظ على الدعم الغربي
في وقت سابق من العام، حاول الرئيس زيلينسكي تقليص صلاحيات المكتب الوطني لمكافحة الفساد والنيابة المتخصصة، لكنه تراجع سريعًا بعد احتجاجات في كييف واعتراضات من الحلفاء الغربيين. هذه الحادثة جعلت التعامل مع أي ملف مرتبط بالفساد أكثر حساسية، خصوصًا أن أوكرانيا تعتمد بشكل كبير على الدعم المالي والعسكري الخارجي في الحرب في أوكرانيا.
القضية ألقت بظلالها على محيط زيلينسكي الأوسع أيضًا، بعدما غادر أحد شركائه التجاريين السابقين، تيمور مينديتش، البلاد في خضم الجدل القائم. مينديتش كان شريكًا في ملكية استوديو "كفارتال 95" الذي انطلقت منه مسيرة زيلينسكي الفنية قبل دخوله عالم السياسة. هذه الخلفية تعطي القضية بعدًا إضافيًا يتعلق بالطريقة التي انتقلت بها شبكة العلاقات القديمة إلى قلب السلطة.
المسار التفاوضي بين أوكرانيا وروسيا وخطة السلام
على الصعيد الدبلوماسي، تأتي استقالة يرماك بينما تستعد كييف لاستقبال وزير جيش الولايات المتحدة دان دريسكول في إطار خطة السلام التي ترعاها واشنطن برئاسة ترامب. في موازاة ذلك، من المقرر أن يتوجه مسؤولون أمريكيون إلى موسكو، فيما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه لمقترح مجري باستضافة قمة تجمعه بترامب في بودابست.
بوتين يواصل طرح شروطه القصوى لإنهاء الحرب، إذ يؤكد أن المعارك لن تتوقف إلا بانسحاب القوات الأوكرانية من كامل إقليم دونباس الشرقي، بما في ذلك مدن تقع حاليًا تحت سيطرة كييف. حذر من أن روسيا ستسعى لفرض هذا الانسحاب بالقوة إذا لم يتحقق عبر التفاوض، ما يضع القيادة الأوكرانية بين مسار تفاوضي معقد وضغوط ميدانية مستمرة.
الخلفية المشتركة بين زيلينسكي وأندري يرماك في أوكرانيا
العلاقة بين زيلينسكي وأندري يرماك تعود إلى نحو 14 عامًا، حين كان الرئيس الأوكراني يشغل منصبًا إداريًا رفيعًا في قطاع الإعلام، بينما عمل يرماك معه كمحامٍ. بعد فوز زيلينسكي في انتخابات الرئاسة عام 2019، لم يمر سوى عام واحد حتى عيّنه رئيسًا لمكتبه، ليصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في دائرة الحكم في أوكرانيا.
في الليلة الأولى من الغزو الروسي الشامل، ظهر زيلينسكي ويرماك مع عدد من المسؤولين في مقطع مصور أمام المكتب الرئاسي في شارع بانكوفا بكييف، أكدوا فيه أنهم باقون في العاصمة وأن مؤسسات الدولة لم تغادر مواقعها. كان الهدف من تلك الرسالة طمأنة الأوكرانيين بأن القيادة، إلى جانب الجيش والمواطنين، متمسكة بالدفاع عن استقلال البلاد. اليوم، تأتي استقالة يرماك لتغلق فصلًا مهمًا في هذه الشراكة السياسية داخل مسار الحرب في أوكرانيا.




