زيلينسكي مستعد للعمل مع واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا
الرئيس الأوكراني يلمّح لقبول مناقشة رؤية الولايات المتحدة لخطة سلام تتضمن تنازلات كبرى بينما تتكثف الهجمات الروسية وتتزايد الضغوط الداخلية عليه.
ملخص
مع احتدام الحرب في أوكرانيا يعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده للعمل مع الولايات المتحدة على ما وصفه بـ “رؤيتها” لإنهاء القتال مع روسيا، في إشارة إلى مسودة خطة سلام مسرّبة تتضمن تخلي كييف عن أجزاء من منطقة دونيتسك، وخفض حجم الجيش، والتعهد بعدم الانضمام إلى الناتو. وتأتي هذه التسريبات بعد لقاءات بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ونظيره الروسي كيريل ديميترييف، وفي ظل انتقادات أوروبية لاستبعادهم من المشاورات. وتصف كييف خطابها تجاه الخطة بأنه دبلوماسي حذر، بينما تؤكد واشنطن أنها تشاور الطرفين بالتساوي، في وقت تتواصل فيه الهجمات الروسية على مدن مثل تيرنوبل وزابوريجيا.

زيلينسكي يلوّح بالتعاون مع الولايات المتحدة على “رؤيتها” لإنهاء الحرب
في خطابه الليلي الأخير، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن مسؤولين عسكريين أمريكيين في كييف عرضوا عليه “بنود خطة لإنهاء الحرب – رؤيتهم”، مؤكداً أن أوكرانيا تسعى منذ الأيام الأولى للاجتياح إلى “سلام حقيقي لا يُكسَر بغزو ثالث”. وأضاف أن بلاده ما زالت متمسكة بمبدأ أن أي تسوية يجب أن تضمن عدم فقدان مزيد من الأرض لصالح روسيا.
تسريبات الخطة تشير إلى أن كييف مستعدة، على الأقل لمناقشة، إطار وضعته واشنطن، في وقت تعتمد فيه أوكرانيا على الدعم العسكري الأمريكي منذ بداية الحرب في فبراير/شباط 2022، بينما غيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقف بلاده باتجاه تحميل حلفاء الناتو الجزء الأكبر من عبء التمويل والتركيز على عقد اتفاق سلام.
تفاصيل مسودة خطة السلام وتنازلات مطروحة على أوكرانيا
بحسب تقارير إعلامية واسعة الانتشار، فإن المسودة التي يحملها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف تتضمن بنوداً أساسية، بينها تخلي أوكرانيا عن مناطق من إقليم دونيتسك ما زالت تسيطر عليها، وتقليص عدد أفراد قواتها المسلحة إلى 600 ألف جندي، والتراجع عن السعي للانضمام إلى حلف الناتو. كما تقترح المسودة تمركز طائرات مقاتلة أوروبية في بولندا المجاورة، ومنح أوكرانيا “ضمانات أمنية موثوقة” دون توضيح التفاصيل.
وتفيد الوثائق المسرّبة بأن روسيا “من المتوقع” ألا تغزو جيرانها مستقبلاً، وألا يتوسع الناتو أكثر، إضافة إلى إعادة دمج موسكو في الاقتصاد العالمي عبر رفع العقوبات، ودعوتها للعودة إلى مجموعة السبع لتصبح مجموعة الثماني مرة أخرى. وتتضمن البنود أيضاً أن تتخلى كييف عن جزء من ترسانتها من الأسلحة.
دور ويتكوف وديميترييف ونقاشات في ميامي حول خطة السلام
المسودة المكونة من 28 بنداً برزت للعلن بعد تقارير عن لقاءات استمرت ثلاثة أيام في ميامي بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ونظيره الروسي كيريل ديميترييف. مسؤول أمريكي رفيع صرّح لقناة “سي بي إس” أن الخطة صيغت مباشرة بعد محادثات مع أحد كبار مساعدي زيلينسكي، روستيم أوميروف، الذي “وافق على معظم البنود بعد إدخال تعديلات” ثم عرضها على الرئيس الأوكراني.
وأشار نائب أوكراني إلى أن كييف لم تُشرك في النقاشات الأولى، بل انضمت لاحقاً للمسار. من جانبها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الخطة “جيدة للطرفين”، مؤكدة أن واشنطن “تتعامل مع الجانبين على قدم المساواة” وأن المبعوث ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو عملا بهدوء لأسابيع بهدف معرفة ما يمكن لكل طرف أن يلتزم به من أجل “سلام مستدام”.
مواقف أوروبا وروسيا من خطة السلام والحرب في أوكرانيا
على الجانب الأوروبي، ذكرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أنها لا تعلم بوجود دور أوروبي في صياغة الخطة، مضيفة أن “أي خطة لن تنجح إذا لم يكن الأوكرانيون والأوروبيون جزءاً منها”. وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول قال إن ما طُرح حتى الآن لا يبدو “خطة كاملة” بقدر ما هو “قائمة بمواضيع وخيارات”، مستشهداً بتصريحات الوزير الأمريكي ماركو روبيو.
في المقابل، قلّل الكرملين من أهمية المسودة؛ إذ قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن هناك “اتصالات” مع الولايات المتحدة، لكن “لا يوجد ما يمكن وصفه بأنه مشاورات أو مفاوضات”. وأكد أن أي اتفاق سلام يجب أن “يعالج جذور النزاع”، وهي صيغة تستخدمها موسكو عادة لتبرير مطالب تعتبرها كييف بمثابة استسلام.

الضغوط الداخلية على زيلينسكي وتزامن خطة السلام مع تقدم روسي محدود
ظهور الخطة يأتي في وقت تتحدث فيه روسيا عن مكاسب جغرافية صغيرة في شرق أوكرانيا، بينما يواجه زيلينسكي أزمة داخلية تتعلق بفضيحة فساد وصلت قيمتها إلى 100 مليون دولار تشمل مسؤولين كباراً.
كما أن أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين يصرون منذ فترة على مقاربة تقوم على “سلام عادل ودائم” يمنع روسيا من ضم مزيد من الأراضي. وكانت موسكو قد ضمّت شبه جزيرة القرم وأعلنت ضم أربع مناطق أخرى تحتل أجزاءً منها خلال الحرب الحالية.
دور الولايات المتحدة والعقوبات على روسيا وتحركات ترامب الأخيرة
البيت الأبيض نفى أن تكون الخطة انحيازاً كاملاً لموسكو أو أن أوكرانيا استُبعدت من النقاش، مؤكداً أن واشنطن تسعى إلى “سلام قابل للاستمرار” يوافق عليه الطرفان. مسؤول أمريكي قال إن العمل على الخطة تم “فوراً” بعد لقاء مع أوميروف، وأن زيلينسكي اطّلع على أغلب بنودها بعد تعديلها.
في أغسطس/آب، عقد ترامب لقاء مباشراً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، لكنه عاد من دون نتائج ملموسة، ما زاد من إحباطه، لينتهي الأمر بفرض عقوبات جديدة على أكبر شركتين منتجتين للنفط في روسيا، على أن يبدأ تطبيقها يوم الجمعة. ومنذ بداية ولايته الثانية، أطلق ترامب مبادرات متعددة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، تضمنت زيارات متكررة من مبعوثه ويتكوف إلى موسكو واجتماعات مع زيلينسكي وقادة غربيين آخرين.
اجتماعات في كييف وتصريحات زيلينسكي حول “سلام لائق”
مكتب زيلينسكي أصدر بياناً مقتضباً قال فيه إن الخطة، “بحسب التقييم الأمريكي، قد تساعد في إعادة تنشيط الجهود الدبلوماسية”. كما التقى الرئيس في كييف وفداً عسكرياً أمريكياً رفيعاً ضم وزير الجيش دان دريسكول ورئيس الأركان الجنرال راندي جورج والقائد الأعلى للقوات البرية الأمريكية في أوروبا الجنرال كريس دوناهيو، لبحث الوضع الميداني واتفاقات دفاعية قائمة.
زيلينسكي قال إنه يقدّر “جهود الرئيس ترامب وفريقه لإعادة الأمن إلى أوروبا”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أوكرانيا تحتاج إلى “سلام لائق” يحترم “كرامة الشعب الأوكراني”. كما أشار إلى أنه يعتزم الحديث مع ترامب خلال الأيام المقبلة حول تفاصيل المقترحات.
الدعم الأوروبي المتزايد والهجمات الروسية على تيرنوبل وزابوريجيا
مع تراجع التمويل الأمريكي المباشر، تحملت الدول الأوروبية، بما فيها المملكة المتحدة وفرنسا، جزءاً أكبر من أعباء الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، ووصل الأمر إلى استعداد بعض العواصم للنظر في إرسال قوات للمساعدة في ضمان استقرار أي اتفاق سلام مستقبلي.
في الميدان، تواصل روسيا هجماتها على أهداف أوكرانية. مساء الخميس، قال حاكم إقليم زابوريجيا إن هجوماً روسياً على المدينة أدى إلى مقتل خمسة أشخاص على الأقل. وبعد ساعات، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها أسقطت 33 طائرة مسيرة أوكرانية فوق عدة مناطق داخل روسيا.
وفي وقت سابق من الأسبوع، قُتل ما لا يقل عن 26 شخصاً في هجوم صاروخي وبطائرات مسيرة على مباني سكنية في مدينة تيرنوبل غرب أوكرانيا، بينما قال زيلينسكي يوم الخميس إن 17 شخصاً ما زالوا في عداد المفقودين في موقع الهجوم. ومع اقتراب الذكرى الرابعة للغزو الروسي واسع النطاق، تبقى الهوة واسعة بين موقفي كييف وموسكو بشأن كيفية إنهاء الحرب في أوكرانيا.




