اقتراب انتهاء معاهدة نيو ستارت يثير مخاوف سباق نووي عالمي جديد
قلق دولي متصاعد مع اقتراب فبراير 2026 دون اتفاق بديل بين واشنطن وموسكو.
ملخص
تتجه معاهدة نيو ستارت، آخر اتفاق ملزم قانونيًا للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، نحو الانتهاء في الخامس من فبراير 2026، ما يثير مخاوف واسعة من انهيار نظام ضبط التسلح العالمي. المعاهدة، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2011، وضعت سقوفًا صارمة للرؤوس النووية والمنصات الإطلاقية، وشكلت إطارًا شفافًا للرقابة المتبادلة. ومع تعليق روسيا مشاركتها عام 2023، وتوقف عمليات التفتيش، بات الاعتماد قائمًا على التقديرات الاستخباراتية. ورغم مقترحات غير رسمية لتمديد مؤقت، لا توجد حتى الآن مؤشرات على اتفاق بديل، في ظل تحذيرات من سباق تسلح نووي مكلف وخطير.

معاهدة نيو ستارت وحدود الأسلحة النووية
تشكل معاهدة نيو ستارت حجر الأساس المتبقي في منظومة الحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث تضع قيودًا واضحة على عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة بحد أقصى 1550 رأسًا لكل طرف. كما تحدد سقفًا يبلغ 700 منصة إطلاق منتشرة، مع حد إجمالي قدره 800 منصة تشمل الصواريخ العابرة للقارات والقاذفات الثقيلة. ووفق بيانات وزارة الخارجية الأمريكية، دخلت المعاهدة حيز التنفيذ عام 2011 بعد توقيعها في 2010 بين الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما والرئيس الروسي آنذاك دميتري ميدفيديف، في سياق مساعي إعادة ضبط العلاقات الثنائية.
تمديد مؤقت ثم تعليق روسي للمشاركة
استمرت المعاهدة دون انقطاع حتى عام 2021، حين قررت واشنطن وموسكو تمديدها خمس سنوات إضافية عقب تولي الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن منصبه، ما أبقاها سارية حتى فبراير 2026. غير أن هذا الاستقرار لم يدم طويلًا، إذ أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2023 تعليق مشاركة بلاده في المعاهدة، مبررًا القرار بدعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في الحرب الدائرة. ورغم هذا التعليق، أكدت موسكو وواشنطن، عبر تصريحات رسمية صادرة عن الكرملين والإدارة الأمريكية، استمرار الالتزام بالحدود العددية المنصوص عليها.
توقف التفتيش وآليات التحقق المتبادلة
كانت عمليات التفتيش المتبادلة تمثل عنصرًا أساسيًا في نظام التحقق الخاص بمعاهدة نيو ستارت، إلا أنها توقفت منذ تفشي جائحة كوفيد-19. ومع تعليق روسيا مشاركتها لاحقًا، تعمق هذا التوقف، ما أدى إلى غياب الرقابة المباشرة بين الطرفين. وبدلًا من ذلك، باتت كل دولة تعتمد على قدراتها الاستخباراتية الوطنية لتقييم التزام الطرف الآخر، وهو ما أثار قلق خبراء الحد من التسلح بشأن مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
مقترحات التمديد وردود الفعل الدولية
في محاولة لتفادي فراغ قانوني كامل، اقترح الرئيس الروسي في سبتمبر 2025 تمديدًا غير رسمي لمدة عام واحد، يلتزم فيه الطرفان بالقيود الكمية والنوعية دون آلية تحقق رسمية. ونقلت وكالة رويترز عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصفه الاقتراح بأنه “فكرة جيدة”، دون صدور موقف رسمي لاحق. في السياق نفسه، أعرب دميتري ميدفيديف عن قلقه من انتهاء المعاهدة، معتبرًا أن الأمر “يجب أن يقلق الجميع”، بحسب ما نقلته صحيفة الغارديان، بينما حذر الكرملين من اقتراب العالم من “لحظة خطيرة” مع التأكيد على التزام موسكو بالتصرف بمسؤولية.

نهاية حقبة تاريخية في ضبط التسلح
يمثل انتهاء معاهدة نيو ستارت نهاية مرحلة بدأت في سبعينيات القرن الماضي مع اتفاقيات الحد من التسلح الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. ووفق تحليل صادر عن جمعية مراقبة التسلح، فإن غياب قيود ملزمة قد يفتح الباب أمام سباق تسلح غير مقيد، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والنزاعات في الشرق الأوسط. وتمتلك الولايات المتحدة وروسيا معًا نحو 90% من الترسانات النووية العالمية، ما يجعل أي تصعيد محتمل ذا عواقب عالمية واسعة.
دور الصين والمخاوف من عصر نووي جديد
يزداد المشهد تعقيدًا مع صعود الصين كقوة نووية متنامية، وفق تقارير صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وفي غياب معاهدة بديلة، حذرت تحليلات من احتمال زيادة إنتاج الأسلحة النووية لدى الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما وصفته وكالة رويترز بأنه بداية “عصر نووي جديد”. كما نقلت صحيفة واشنطن بوست عن نواب أمريكيين تحذيراتهم من سباق تسلح “خطير ومكلف”، في وقت أكد فيه ترامب، خلال مقابلة مع نيويورك تايمز، تفضيله التوصل إلى اتفاق “أفضل” دون الخوض في تفاصيل.
غياب الاتفاقات والعودة إلى ما قبل القيود النووية
رغم دعوات متكررة من دعاة مراقبة التسلح لاتخاذ إجراءات عاجلة، لا تظهر مؤشرات على بدء مفاوضات رسمية لمعاهدة بديلة قبل الموعد النهائي. وذكرت مجلة بوليتيكو أن انتهاء نيو ستارت يعيد العالم إلى وضع لم يشهد قيودًا نووية شاملة منذ حقبة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان. وبينما لا يعني انتهاء المعاهدة اندلاع صراع فوري، فإنه يزيل إحدى أهم طبقات الأمان في نظام دولي يعاني أصلًا من هشاشة وعدم استقرار.




