فوز بومجايثاي يعيد رسم موازين السياسة في تايلاند بعد انتخابات مفاجئة
الانتخابات العامة تمنح أنوتين شارنفيراكول أفضلية واضحة لتشكيل حكومة جديدة مستقرة.
ملخص
أسفرت الانتخابات العامة التي أُجريت في تايلاند عن فوز واسع لحزب بومجايثاي المحافظ، ما يمنح رئيس الوزراء أنوتين شارنفيراكول فرصة قوية للاستمرار في منصبه وتشكيل حكومة جديدة. النتائج الأولية الصادرة عن لجنة الانتخابات التايلاندية تشير إلى حصول الحزب على العدد الأكبر من مقاعد البرلمان، في وقت شهدت فيه البلاد استفتاءً دستورياً مهماً ومشاركة واسعة من الناخبين. الانتخابات جاءت بعد سنوات من الاضطراب السياسي وتغيّر الحكومات، وسط تنافس حاد بين التيارات المحافظة والإصلاحية والشعبوية، وترافقت مع مراقبة دولية وتحليلات من وكالات أنباء عالمية حول مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.

الانتخابات العامة وتحول المشهد السياسي في تايلاند
شهدت تايلاند انتخابات عامة وُصفت بالمفصلية، بعدما أعلنت لجنة الانتخابات التايلاندية نتائج أولية أظهرت تقدّم حزب بومجايثاي المحافظ بشكل لافت على بقية المنافسين. ووفق هذه النتائج، من المتوقع أن يحصل الحزب على نحو 194 مقعداً من أصل 500 مقعد في البرلمان التايلاندي، ما يمنح رئيس الوزراء الحالي أنوتين شارنفيراكول موقعاً متقدماً في المشهد السياسي وقدرة كبيرة على تشكيل حكومة مستقرة خلال المرحلة المقبلة.
جاءت هذه الانتخابات بعد فترة اتسمت بعدم الاستقرار السياسي، حيث شهدت تايلاند تغيير ثلاثة رؤساء وزراء خلال ثلاث سنوات فقط. وكان أنوتين قد تولى رئاسة الحكومة في سبتمبر 2025 عقب إقالة رئيسة الوزراء السابقة بايتونغتارن شيناواترا المنتمية إلى حزب فيو تاي، على خلفية خلافات سياسية مرتبطة بأزمة الحدود مع كمبوديا. وفي ديسمبر الماضي، أعلن أنوتين حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، في خطوة فُسرت على أنها محاولة للاستفادة من تصاعد النزعة القومية المرتبطة بالتوترات الحدودية.
حزب بومجايثاي وقاعدته الانتخابية
يقود حزب بومجايثاي أنوتين شارنفيراكول، وهو رجل أعمال ثري في قطاع البناء وطيار هاوٍ، ويُنظر إلى الحزب باعتباره أحد أبرز ممثلي التيار المحافظ التقليدي في تايلاند والمدعوم من الجيش والمؤسسة الملكية. وبعد أن حل ثالثاً في انتخابات عام 2023، تمكن الحزب هذه المرة من توسيع قاعدته الشعبية، لا سيما في المناطق الريفية والجنوبية، مستفيداً من مواقفه المتعلقة بمكافحة المخدرات ودعم الاقتصاد المحلي. وخلال مؤتمر صحفي في مقر الحزب في بانكوك، قال أنوتين إن فوز حزبه «فوز لكل التايلانديين»، مؤكداً العمل على تشكيل ائتلاف يضمن الاستقرار السياسي.
موقف حزب الشعب التقدمي والتيار الإصلاحي
في المرتبة الثانية، جاء حزب الشعب التقدمي بقيادة ناتافونغ روينغبانياووت، مع توقعات بحصوله على نحو 116 مقعداً. ويمثل الحزب امتداداً لحزب «تحرك إلى الأمام» الذي تصدر انتخابات 2023 لكنه مُنع من تشكيل الحكومة آنذاك. ويعكس هذا التيار تطلعات شريحة واسعة من الشباب الداعين إلى إصلاحات جذرية تشمل تعديل الدستور وتقليص دور الجيش في السياسة. ورغم تصدره استطلاعات الرأي قبل الاقتراع، واجه الحزب صعوبة في الحفاظ على زخمه خلال الحملة الانتخابية، خاصة مع تركيز الناخبين على القضايا الأمنية والحدودية.
تراجع حزب فيو تاي ودور عائلة شيناواترا
أما حزب فيو تاي، المرتبط بعائلة شيناواترا السياسية البارزة، فقد أظهرت النتائج الأولية حصوله على نحو 86 مقعداً فقط، في تراجع واضح عن أدائه السابق. ويُعد الحزب من أبرز الأحزاب الشعبوية في البلاد، حيث يركز على سياسات داعمة للطبقات الوسطى والفقيرة. إلا أن انقسامات داخلية وأزمات سياسية متراكمة أثرت على شعبيته. ويرتبط الحزب بعائلة شيناواترا، ومن بينها رئيس الوزراء الأسبق تاكسين شيناواترا، الذي يقضي حالياً عقوبة سجن. وبحسب تقارير نشرتها رويترز، عكست نتائج الأحزاب الثلاثة انقساماً مجتمعياً عميقاً بين المحافظين والإصلاحيين والشعبويين.

الاستفتاء الدستوري ونتائجه الأولية
تزامنت الانتخابات البرلمانية مع استفتاء دستوري حول صياغة دستور جديد ليحل محل دستور عام 2017 الذي أُقر في ظل حكم عسكري. وأفادت لجنة الانتخابات التايلاندية بأن نحو 65 في المئة من الناخبين أيدوا المقترح، ما يفتح الباب أمام عملية سياسية قد تقلص من صلاحيات مجلس الشيوخ غير المنتخب وتعزز المسار الديمقراطي. وفي المقابل، حذّر مراقبون من أن أي تعديل دستوري دون توافق واسع قد يؤدي إلى توترات سياسية جديدة.
الإقبال الانتخابي والمشهد في بانكوك
شهد يوم الاقتراع مشاركة واسعة، حيث أدلى ملايين التايلانديين بأصواتهم في أكثر من 90 ألف مركز اقتراع، وسط إجراءات أمنية مشددة بسبب الأوضاع الإقليمية. ولم تُسجل حوادث كبيرة، رغم تأخر عمليات الفرز في بعض المناطق الريفية بسبب الأحوال الجوية. وفي العاصمة بانكوك، التي تضم 33 مقعداً برلمانياً، تمكن حزب الديمقراطيين من استعادة جزء من نفوذه التقليدي، في مؤشر على عودة جزئية للأحزاب القديمة إلى المشهد السياسي.
تشكيل الائتلافات وقراءات المحللين
مع اقتراب إعلان النتائج الرسمية، يتجه أنوتين شارنفيراكول إلى تشكيل ائتلاف حكومي مع أحزاب صغيرة، من بينها حزب كلاتام الذي تشير التوقعات إلى فوزه بنحو 56 مقعداً، ما قد يمنح الائتلاف أغلبية تصل إلى 251 مقعداً. ونقلت وكالة أسوشييتد برس عن المحلل السياسي ماتيس لوهاتيبانونت قوله إن هذا الفوز يعكس نجاح أنوتين في توظيف الخطاب القومي، لكنه قد يؤدي إلى استمرار نهج محافظ يحد من الإصلاحات العميقة.
تأتي هذه الانتخابات في سياق تاريخي اتسم بدورات متكررة من الانتخابات والانقلابات منذ عام 2006، عندما أُطيح بتاكسين شيناواترا في انقلاب عسكري. وعلى الرغم من أن الانتخابات الحالية جرت دون تدخل مباشر من مجلس الشيوخ غير المنتخب، بخلاف انتخابات 2023، فإنها تسلط الضوء على التحديات المستمرة التي تواجه الديمقراطية التايلاندية. ومع توقع إعلان النتائج النهائية في أبريل، تترقب البلاد المرحلة المقبلة وسط آمال بحكومة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والتوترات الإقليمية، في وقت تستعد فيه المعارضة للقيام بدور رقابي نشط.


