رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
12:25 م calendar السبت 18 يوليو 2026

سرّ خفي حول القمر: كيف تصنع النيازك غلافه الجوي الرقيق؟

الدراسة تكشف دور تبخر النيازك في تشكيل الغلاف الجوي"

كيف كشفت النيازك
كيف كشفت النيازك السر الحقيقي لجو القمر أرشيفية

    ملخص

    كشفت دراسة بعنوان “Impact Vaporization as the Dominant Source of the Lunar Exosphere” نُشرت في مجلة Science Advances عن الآلية الأساسية التي تكوّن الغلاف الجوي الرقيق للقمر. توضح الدراسة أن اصطدام النيازك الدقيقة بسطح القمر يؤدي إلى تبخر ذرات من التربة القمرية، فتبقى معلّقة فوق السطح مكوِّنة ما يُعرف بالطبقة الخارجية. ومع استمرار القصف الفضائي عبر مليارات السنين، يتجدد هذا الغلاف بشكل دائم. واعتمد الباحثون على تحليل عينات تربة من مهمات أبولو، وأظهرت النتائج أن تبخر التأثير هو العامل الرئيسي في تكوين جو القمر، بينما تلعب الرياح الشمسية دورًا ثانويًا فقط.

    اكتشاف علمي يغير فهمنا للغلاف الجوي القمري أرشيفية
    اكتشاف علمي يغير فهمنا للغلاف الجوي القمري أرشيفية 

    الغلاف الجوي القمري: لغز علمي استمر لعقود

     

    على الرغم من أن القمر يفتقر إلى غلاف جوي قابل للتنفس، إلا أن العلماء أكدوا منذ ثمانينيات القرن الماضي وجود طبقة رقيقة جدًا من الذرات تحيط به، تُعرف باسم الغلاف الجوي القمري أو الطبقة الخارجية. هذه الطبقة كانت محل اهتمام واسع في الأوساط العلمية، لكن فهم كيفية تشكّلها واستمرارها ظل تحديًا كبيرًا بسبب رقتها الشديدة وتأثرها المستمر بالعوامل الفضائية.

    دراسة حديثة تكشف السر وراء تكوّن جو القمر

     

    مؤخرًا، نجح علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة شيكاغو في كشف الآلية الرئيسية المسؤولة عن تكوين الغلاف الجوي الرقيق للقمر. ووفقًا لدراسة علمية نُشرت في مجلة Science Advances، فإن هذا الغلاف يتكوّن أساسًا نتيجة ظاهرة تُعرف باسم تبخر التأثير، وهي عملية ناتجة عن اصطدام النيازك بسطح القمر.

    تبخر التأثير: كيف تصنع النيازك جو القمر

     

    عندما تصطدم النيازك الدقيقة بسطح القمر، تطلق طاقة عالية تؤدي إلى تبخير ذرات من التربة القمرية. بعض هذه الذرات يندفع إلى الفضاء، بينما يبقى جزء آخر معلقًا فوق سطح القمر، مكوِّنًا غلافًا جويًا شديد الرقة. ومع استمرار القصف الفضائي عبر مليارات السنين، تتكرر هذه العملية باستمرار، مما يسمح بتجديد جو القمر بشكل دائم.

    عينات أبولو تكشف تاريخ القصف الفضائي

     

    اعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل عينات من تربة القمر جُمعت خلال مهمات أبولو التابعة لوكالة ناسا. وأظهرت التحليلات أن القمر تعرض، على مدار نحو 4.5 مليار سنة، لقصف فضائي مكثف بدأ بنيزك ضخمة في مراحله المبكرة، ثم تواصل لاحقًا عبر اصطدامات مستمرة لميكروكويكبات صغيرة بحجم الغبار.

    خطوة جديدة لفهم أجواء الأجرام السماوية

     

    لا يقتصر هذا الاكتشاف على تفسير طبيعة الغلاف الجوي للقمر فحسب، بل يُعد خطوة محورية نحو فهم أعمق للديناميات التي تحكم أجواء الكواكب والأقمار الأخرى. كما يساهم في تطوير نماذج علمية أكثر دقة لدراسة تطور الأجرام السماوية داخل النظام الشمسي، ويدعم جهود الاستكشاف الفضائي المستقبلية.

    تبخر التأثير: التفسير العلمي الأوضح لنشوء جو القمر

     

    أظهرت نتائج البحث أن تبخر التأثير يُعد العملية الأساسية التي تشكّل وتحافظ على الغلاف الجوي الرقيق للقمر عبر مليارات السنين. وتوصل العلماء إلى أن اصطدام النيازك المتكرر بسطح القمر يؤدي إلى تبخير ذرات من التربة القمرية، ما يسمح بتكوّن طبقة خارجية رقيقة تتجدد باستمرار مع استمرار القصف الفضائي.

    تصريحات الباحثين: القصف المستمر يضمن استقرار الغلاف الجوي القمري

     

    أكدت نيكول نيي، المؤلفة الرئيسية للدراسة وأستاذة مساعدة في قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن تبخر تأثير النيازك هو العامل السائد في تكوين جو القمر. وأوضحت أن القمر، الذي يبلغ عمره نحو 4.5 مليار سنة، تعرّض خلال تاريخه الطويل لقصف متواصل من النيازك، ما أدى إلى وصول الغلاف الجوي الرقيق إلى حالة شبه مستقرة بفضل تجديده المستمر عبر التأثيرات الصغيرة المتكررة على سطحه.

    فريق البحث والتعاون العلمي الدولي

     

    شارك في إعداد هذه الدراسة إلى جانب نيكول نيي عدد من الباحثين المتخصصين، من بينهم نيكولاس داوفاس وزي زانغ وتيمو هوب من جامعة شيكاغو، إضافة إلى منيلاوس سارانطوس من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا. ويعكس هذا التعاون العلمي أهمية النتائج التي توصل إليها الفريق في توسيع فهمنا لتكوّن أجواء الأجرام السماوية

    التآكل الفضائي ودوره في فهم بيئة القمر

     

    يمثّل التآكل الفضائي أحد العوامل الأساسية التي تؤثر في سطح القمر وغلافه الجوي الرقيق. وقد ساعد التطور في تكنولوجيا الاستكشاف الفضائي العلماء على دراسة هذه الظواهر بدقة غير مسبوقة، ما أتاح فهمًا أعمق للتفاعلات المستمرة بين سطح القمر والعوامل القادمة من الفضاء، مثل النيازك والرياح الشمسية.

    مهمة LADEE: خطوة مفصلية في دراسة الغلاف الجوي القمري

     

    في عام 2013، أطلقت وكالة ناسا المسبار مستكشف الغلاف الجوي القمري والبيئة الغبارية (LADEE) لإجراء مسح جوي تفصيلي للقمر. وركزت مهمة المسبار على جمع بيانات دقيقة حول جو القمر الرقيق، وخصائص سطحه، وتأثيرات البيئة الفضائية على غبار القمر، مما وفّر قاعدة علمية مهمة لدراسة التآكل الفضائي.

    كيف ساهمت تكنولوجيا LADEE في كشف أسرار جو القمر

     

    استهدفت مهمة LADEE الكشف عن أصول الغلاف الجوي القمري من خلال قياسات دقيقة لتكوين التربة والطبقة الخارجية المحيطة بالقمر. وكان الهدف الأساسي هو تحديد الآليات الفيزيائية التي أدت إلى نشوء هذا الغلاف الجوي شديد الرقة، وفهم الكيفية التي تؤثر بها عمليات التآكل الفضائي في تجديده واستمراره عبر الزمن.

    العمليات الفضائية المسؤولة عن تشكّل الغلاف الجوي للقمر

     

    يرجّح الباحثون أن عمليتين رئيسيتين تلعبان الدور الأكبر في تشكيل جو القمر. الأولى هي تبخر التأثير، حيث تؤدي اصطدامات النيازك بسطح القمر إلى تبخر الذرات من التربة القمرية. أما العملية الثانية فهي النفث الأيوني، المرتبط بالرياح الشمسية التي تحمل جسيمات مشحونة من الشمس. وعند اصطدام هذه الجسيمات بسطح القمر، تنقل طاقتها إلى الذرات، ما يؤدي إلى تبخرها وانتشارها في الغلاف الجوي الرقيق.

    أسرار جو القمر كما كشفتها النيازك أرشيفية
    أسرار جو القمر كما كشفتها النيازك أرشيفية 

    بيانات LADEE تكشف تعقيد العوامل المؤثرة في جو القمر

     

    أوضحت نيكول نيي، المؤلفة الرئيسية للدراسة، أن بيانات مهمة LADEE أظهرت أن أكثر من عملية واحدة تسهم في تشكيل الغلاف الجوي الرقيق للقمر. فخلال زخات النيازك، رصد العلماء زيادة ملحوظة في عدد الذرات داخل الغلاف الجوي، ما يشير بوضوح إلى تأثير اصطدام النيازك. وفي المقابل، عند حجب القمر عن أشعة الشمس كما يحدث أثناء الكسوف، لوحظت تغيرات في سلوك الذرات، مما يدل على تأثير الرياح الشمسية أيضًا. وتشير نيي إلى أن هذه النتائج، في مراحلها الأولى، لم تكن كافية لتحديد الدور الكمي الدقيق لكل عملية على حدة.

    عينات تربة أبولو: مفتاح فهم أصل جو القمر

     

    في محاولة لحسم هذا الجدل العلمي، اتجهت نيكول نيي وزملاؤها في جامعة شيكاغو إلى دراسة عينات من تربة القمر جمعها رواد الفضاء خلال مهمات أبولو التابعة لوكالة ناسا. شملت الدراسة عشر عينات صغيرة، يزن كل منها نحو 100 ملليجرام فقط، أي ما يعادل تقريبًا حجم قطرة مطر، لكنها حملت معلومات بالغة الأهمية عن تاريخ القمر وجوه الرقيق.

    لماذا البوتاسيوم والروبيديوم؟ عناصر متطايرة تكشف الحقيقة

     

    ركّز الفريق البحثي على تحليل عنصرين أساسيين هما البوتاسيوم والروبيديوم، لكونهما من العناصر المتطايرة التي تتبخر بسهولة نتيجة التآكل الفضائي. ويتمتع كل عنصر بعدة نظائر تختلف في عدد النيوترونات، ما يجعلها أداة دقيقة لتتبع العمليات الفيزيائية التي أثرت في التربة والغلاف الجوي القمري عبر الزمن.

    النظائر كدليل علمي على آليات التآكل الفضائي

     

    تتيح دراسة نسب النظائر الخفيفة والثقيلة لكل من البوتاسيوم والروبيديوم للعلماء فهم كيفية تفاعل التربة القمرية مع عمليات تبخر التأثير والنفث الأيوني. وتوقع الباحثون أن تترك كل عملية بصمة مختلفة على توزيع النظائر داخل التربة، ما يسمح بتحديد العملية المهيمنة في تكوين جو القمر.

    نتائج تحليل التربة: تبخر التأثير في الصدارة

     

    بعد تحليل عينات التربة القمرية، توصل الفريق إلى أن التربة تحتوي في الغالب على نظائر ثقيلة من البوتاسيوم والروبيديوم، بينما يُفترض أن تكون النظائر الأخف قد تبخرت وبقيت معلّقة في الغلاف الجوي. وأكدت هذه النتائج أن تبخر التأثير هو العامل الرئيسي المسؤول عن رفع الذرات وتكوين الغلاف الجوي الرقيق للقمر.

    خطوات مخبرية دقيقة لكشف أسرار جو القمر

     

    أجرت نيكول نيي وفريقها سلسلة من التحاليل المخبرية الدقيقة، شملت سحق التربة إلى مسحوق ناعم، ثم إذابتها في أحماض خاصة لتنقية المحاليل المحتوية على البوتاسيوم والروبيديوم. بعد ذلك، استخدم الباحثون جهاز طيف الكتلة لقياس نسب النظائر بدقة عالية، ما أتاح فهمًا تفصيليًا لتركيب جو القمر.

    نسبة المساهمة: النيازك تتفوق على الرياح الشمسية

     

    تشير نتائج الدراسة إلى أن تبخر التأثير يساهم بنحو 70% أو أكثر في تكوين الغلاف الجوي القمري، بينما تمثل الرياح الشمسية عبر النفث الأيوني نحو 30% من هذا الغلاف. وتوضح نيي أن معظم الذرات تبقى في الجو نتيجة تبخر التأثير، في حين يسهم النفث الأيوني في طرد جزء منها إلى الفضاء.

    تعليق علمي: إنجاز مهم لفهم القمر والأجرام الأخرى

     

    علق جاستن هو، باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة كامبريدج، على نتائج الدراسة واصفًا إياها بأنها إنجاز علمي بارز، خاصة لاعتمادها على دمج قياسات النظائر مع النمذجة الكمية المتقدمة. وأشار إلى أن هذا الاكتشاف لا يعمّق فهمنا لتاريخ القمر فحسب، بل قد يطبّق أيضًا على دراسة الأقمار الأخرى والكويكبات.

    أهمية عينات أبولو لمستقبل الاستكشاف الفضائي

     

    في ختام الدراسة، شددت نيكول نيي على القيمة العلمية الكبيرة لعينات أبولو، مؤكدة أنه لولا هذه العينات لما أمكن الوصول إلى نتائج كمية دقيقة حول جو القمر. كما دعت إلى مواصلة جمع عينات من القمر والأجسام الكوكبية الأخرى، بهدف بناء صورة أوضح عن تكوين وتطور النظام الشمسي.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط