ارتفاع أسعار البنزين والديزل مع اهتزاز هدنة واشنطن وطهران
الأسواق تترقب مصير وقف إطلاق النار بعد عودة الضغوط على الوقود عالمياً.
ملخص
عادت أسعار البنزين والديزل إلى الارتفاع في محطات الوقود مع تزايد الشكوك حول استمرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. الهدنة التي أُعلن عنها لمدة أسبوعين خففت الضغط على النفط الخام في البداية، لكن المخاوف المرتبطة بتطورات الميدان أعادت التوتر إلى الأسواق. ويرتبط هذا التحرك بالنزاع الذي بدأ في نهاية فبراير، وما تبعه من اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز وتهديدات بإغلاقه. كما أظهرت بيانات بريطانية وأمريكية استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة، في وقت يرى فيه محللون أن أي استقرار فعلي سيظل مرتبطًا بصمود الاتفاق واستعادة سلاسل الإمداد.

كيف عادت الأسعار إلى الصعود
لم يدم الهدوء الذي أعقب إعلان التهدئة طويلًا في أسواق الطاقة. فبعد تراجع سريع في أسعار النفط الخام، عادت أسعار البنزين والديزل في محطات التزود بالوقود إلى الارتفاع اليوم، مع تصاعد المخاوف من أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قد لا يصمد طويلًا أمام التطورات الميدانية.
الأسواق كانت قد استجابت أولًا بإيجابية لإعلان هدنة مدتها أسبوعان، وهو ما دفع أسعار الخام إلى الهبوط بقوة. لكن هذا التراجع لم يتحول إلى مسار ثابت، لأن الشكوك بشأن متانة الاتفاق أعادت الضغوط الصعودية سريعًا، وأبقت حالة عدم اليقين حاضرة في تسعير الوقود.
الخلفية التي دفعت النفط والوقود إلى التقلب
ترجع جذور هذه الموجة من التقلبات إلى نهاية فبراير الماضي، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران. هذا التصعيد انعكس مباشرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي، ما جعل أي اضطراب فيه عاملًا ضاغطًا على السوق الدولية.
ومع اتساع التوتر، هددت إيران بإغلاق المضيق، فارتفعت أسعار النفط الخام بشكل حاد. هذا الارتفاع انتقل بدوره إلى أسعار الوقود في المحطات، ودفعها في عدد من الدول إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات، مع اتساع المخاوف على الإمدادات وتكاليف النقل والتكرير.
ماذا تضمّن الاتفاق ولماذا لم يهدئ الأسواق بالكامل
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء الماضي وقف إطلاق نار مشروطًا، ونص الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن أمام الملاحة التجارية، مقابل وقف العمليات العسكرية المتبادلة لمدة أسبوعين. هذا التطور منح الأسواق دفعة ارتياح فورية، وانخفض سعر خام برنت الدولي بأكثر من 15% في البداية.
لكن هذا الانخفاض لم يستمر بالوتيرة نفسها، لأن مؤشرات الهشاشة ظهرت سريعًا. فقد ساهمت الشكوك السياسية والميدانية في الحد من أثر الاتفاق، وعادت الأسعار إلى الارتفاع مع ازدياد القناعة بأن الهدنة المؤقتة لا تزال معرضة للاهتزاز قبل أن تتحول إلى ترتيب أكثر استقرارًا.
ماذا تقول الأرقام في بريطانيا والولايات المتحدة
بحسب تقارير منظمة RAC البريطانية المعنية بمراقبة أسعار الوقود، بلغ متوسط سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص في بريطانيا حتى صباح أمس 157.71 بنسًا، بزيادة تقارب 19% منذ بداية النزاع في 28 فبراير. أما الديزل فتجاوز 190 بنسًا للتر الواحد، مسجلًا ارتفاعًا نسبته 34% خلال الفترة نفسها، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2022.
وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات منظمة AAA أن متوسط سعر غالون البنزين العادي وصل إلى نحو 4.16 دولار، بينما بلغ سعر الديزل 5.67 دولار للغالون. هذه المستويات تعكس استمرار الضغوط على المستهلكين رغم التراجع المؤقت الذي شهدته أسعار النفط الخام بعد الإعلان عن الهدنة.

لماذا بقيت الأسعار مرتفعة رغم هبوط الخام
يرى خبراء السوق أن الانخفاض الذي يصيب النفط الخام لا ينعكس فورًا على أسعار الوقود في المحطات. فالتجار وشركات التوزيع يعتمدون على مخزونات جرى شراؤها في وقت كانت الأسعار فيه أعلى، وهو ما يعني أن التكرير والنقل والتوزيع يواصلان العمل على أساس تكلفة سابقة لا تختفي مباشرة مع أول تراجع في السوق العالمية.
إلى جانب ذلك، فإن القلق المرتبط بمدى استمرار وقف إطلاق النار لا يزال حاضرًا بقوة. وقد زاد هذا القلق بعد استمرار الضربات الإسرائيلية على أهداف في لبنان، وهي ضربات اعتبرتها طهران انتهاكًا للاتفاق، ما أعاد الشكوك إلى الأسواق ودفع المتعاملين إلى التسعير على أساس احتمال تجدّد التصعيد.
ما الذي تراقبه الأسواق في المرحلة المقبلة
أفادت وكالة رويترز بأن الملاحة في مضيق هرمز ما تزال مقيدة، إذ مرت سفن قليلة فقط منذ الإعلان عن الهدنة، وهو ما يبقي الإمدادات النفطية تحت الضغط. هذا الوضع يفسر سبب بقاء السوق شديدة الحساسية لأي تطور سياسي أو عسكري، حتى مع وجود اتفاق معلن لوقف إطلاق النار.
وأشار محللون في تصريحات لوسائل إعلام دولية إلى أن أسعار الوقود في المحطات قد تستقر أو تنخفض بشكل طفيف خلال الأسابيع المقبلة إذا صمد الاتفاق. لكن العودة إلى المستويات التي سبقت النزاع قد تحتاج إلى أشهر، بسبب الحاجة إلى إعادة بناء سلاسل الإمداد واستئناف الإنتاج الكامل، مع تحذير واضح من أن أي تصعيد جديد قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع بسرعة.
الأثر الأوسع على المستهلكين والمفاوضات المنتظرة
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه المستهلكون في أنحاء مختلفة من العالم ضغوطًا اقتصادية متزايدة. فارتفاع أسعار الوقود لا يتوقف عند تكلفة التزود بالبنزين أو الديزل، بل يمتد أثره إلى النقل وأسعار السلع الاستهلاكية، ما يزيد العبء على الأسواق والأسر في الوقت نفسه.
ولهذا يتابع المتعاملون مسار التطورات الميدانية والمفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران عن قرب. ومن المقرر أن تبدأ هذه المفاوضات قريبًا في إسلام آباد، وسط آمال بأن تتحول الهدنة المؤقتة إلى اتفاق أكثر استدامة يخفف الضغط عن الطاقة والإمدادات والأسعار.




