رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
06:53 م calendar السبت 18 يوليو 2026

انقسام سياسي وقانوني حاد في إسرائيل حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام

مشروع قانون جديد يعيد فتح ملف الإعدام في إسرائيل وسط حرب غزة وخلافات داخلية واسعة.

إسرائيل تشهد نقاشًا
إسرائيل تشهد نقاشًا محتدمًا حول إعادة تطبيق عقوبة الإعدام - Illustration

    ملخص

    تعود قضية عقوبة الإعدام إلى واجهة الجدل في إسرائيل مع تقدم مشروع قانون داخل الكنيست يهدف إلى فرضها على المدانين بقتل إسرائيليين بدوافع توصف بالإرهابية. يأتي ذلك في ظل حرب مستمرة على غزة ووقف إطلاق نار هش، ومع تصاعد الانقسامات السياسية والمجتمعية. المشروع، المدعوم من قوى اليمين المتطرف، يواجه معارضة قوية من منظمات حقوقية، وأحزاب معارضة، ومرجعيات دينية، تحذر من تداعيات قانونية وأخلاقية وأمنية داخلية وخارجية. وبينما يرى مؤيدوه أنه أداة ردع وعدالة، يعتبره معارضوه خطوة انتقامية تكرس نظامًا قضائيًا تمييزيًا وتزيد من احتمالات التصعيد.

    إسرائيل تناقش مشروع قانون عقوبة الإعدام - Illustration
    إسرائيل تناقش مشروع قانون عقوبة الإعدام - Illustration

    إسرائيل وسياق العودة إلى نقاش عقوبة الإعدام

     

    في خضم الحرب الدائرة في غزة ووسط أجواء سياسية متوترة، تجد إسرائيل نفسها أمام نقاش داخلي حاد حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام، وهي عقوبة لم تُطبق فعليًا منذ أكثر من ستة عقود إلا في حالات استثنائية للغاية. الجدل لا ينفصل عن السياق الأمني والسياسي الراهن، إذ تزامن مع وقف إطلاق نار هش ومع تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب واسعة النطاق.

    ازدادت وتيرة الدفع نحو المشروع بعد الهجوم الذي قادته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 1200 شخص واختطاف 251 آخرين، وفق الأرقام الرسمية الإسرائيلية. وفي أعقاب ذلك، شنت إسرائيل حربًا واسعة على قطاع غزة، أدت إلى مقتل أكثر من 71,600 فلسطيني بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة. هذه التطورات أعادت إلى السطح مطالب قديمة داخل أوساط اليمين الإسرائيلي بفرض عقوبات أشد، مستندة إلى مناخ عام يتسم بالغضب والخوف.

    مشروع القانون ومساره داخل الكنيست

     

    يتقدم مشروع القانون حاليًا داخل الكنيست بعد أن اجتاز القراءة الأولى من أصل ثلاث في نوفمبر 2025، حيث حظي بتأييد 39 نائبًا مقابل معارضة 16. المشروع، الذي قدمه نواب من حزب القوة اليهودية، يخضع حاليًا للنقاش داخل اللجان البرلمانية لصياغة نصه النهائي قبل عرضه مجددًا للتصويت. ووفق ما نُشر عن مضمونه، يسعى إلى تعديل قانون العقوبات الإسرائيلي لفرض الإعدام على من يُدان بقتل إسرائيلي بدوافع عنصرية أو بدافع الإضرار بالدولة وبالوجود اليهودي.

    رغم أن إسرائيل ورثت عقوبة الإعدام من القوانين المعمول بها خلال فترة الانتداب البريطاني، فإنها ألغتها في عام 1954 في قضايا القتل العادي، واستبدلتها بعقوبة السجن المؤبد الإلزامي. ومنذ تأسيس الدولة، لم تُنفذ العقوبة سوى مرتين، الأولى بحق الضابط مئير طوبيانسكي عام 1948 قبل تبرئته لاحقًا، والثانية بحق أدولف آيخمان عام 1962 بعد محاكمته لدوره في المحرقة النازية. ولا تزال المحاكم العسكرية في الضفة الغربية تملك صلاحية إصدار أحكام بالإعدام، إلا أن جميع الأحكام السابقة خُففت إلى السجن المؤبد.

    المحاكم العسكرية والتمييز في نطاق التطبيق

     

    يركز المشروع الحالي على تطبيق العقوبة عبر المحاكم العسكرية في الضفة الغربية، حيث يُحاكم الفلسطينيون، وهو ما يعني عمليًا استثناء الإسرائيليين اليهود من نطاقه. كما يتضمن مقترحًا موازيًا لإلغاء ضمانات إجرائية قائمة، مثل اشتراط إجماع هيئة القضاة أو صلاحية رئيس أركان الجيش في تخفيف الحكم. وذكر مركز أبحاث الكنيست أن طرق تنفيذ الإعدام التي نوقشت تشمل الحقن القاتلة، أو الغاز، أو الكرسي الكهربائي، أو الإعدام رميًا بالرصاص.

    قادة الدفع السياسي ودوافعهم المعلنة

     

    يتصدر وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، زعيم حزب القوة اليهودية، الحملة الداعمة للمشروع، وهو من أبرز المدافعين عن إعادة العمل بعقوبة الإعدام منذ سنوات. واعتبر بن غفير أن القانون سيمنع تكرار صفقات تبادل الأسرى، مثل الصفقة الأخيرة التي أُفرج بموجبها عن نحو 2000 معتقل فلسطيني مقابل رهائن إسرائيليين. كما هدد بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إذا تعثر المشروع، معتبرًا إياه جزءًا من مواجهة ما يصفه بالإرهاب.

    حظي المشروع بدعم وزراء ونواب آخرين، من بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي أشار إلى إمكانية تطبيق العقوبة أيضًا على يهود يُصنفون كـ”خونة”، رغم أن منتقدين يؤكدون أن صيغة القانون الحالية تحمي مرتكبي الجرائم من اليهود. كما أيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المشروع، في موقف اعتُبر تحولًا عن مواقف حكومات سابقة امتنعت عن دعمه.

    يرى مؤيدو المشروع، ومن بينهم عائلات ضحايا مثل عائلة فالنتينا غوساك التي قُتلت ابنتها في هجمات أكتوبر، أن عقوبة الإعدام تشكل “لقاحًا ضد القتل”. ويؤكدون أنها ستردع الهجمات وعمليات الخطف، عبر إزالة الدافع للاحتفاظ بأسرى بغرض التبادل. كما وصف زفيكا فوغل، رئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست، المشروع بأنه “طوبة إضافية في جدار الدفاع”، رافضًا التحذيرات الأمنية التقليدية.

    ارتفاع وفيات الفلسطينيين في الحجز الإسرائيلي - Illustration
    ارتفاع وفيات الفلسطينيين في الحجز الإسرائيلي - Illustration

    معارضة حقوقية وقانونية واسعة

     

    في المقابل، واجه المشروع انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان، بينها منظمة العفو الدولية، التي وصفته بأنه تمييزي ومن بين أكثر المبادرات التشريعية تطرفًا في تاريخ إسرائيل. وحذرت المنظمة من أنه يكرس نظام عدالة مزدوجًا وينتهك القانون الدولي والحق في الحياة. كما اعتبرت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل أن الإطار القانوني للمشروع عنصري بطبيعته، مشيرة إلى أن فلسطينيين قد يُعدمون لقتل إسرائيليين، في حين يفلت مستوطنون يهود غالبًا من الإدانة عند قتل فلسطينيين.

    أعربت نائبة الكنيست عايدة توما-سليمان من حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة عن رفضها للمشروع، معتبرة أنه مدفوع بروح الانتقام لا العدالة، ومتوقعة الطعن فيه أمام المحكمة العليا إذا أُقر. كما حذر النائب جلعاد كاريف من أن القانون قد يؤدي إلى تصعيد إضافي في الهجمات. وعلى الصعيد الديني، عارض حاخامات من التيار الحريدي ونوابهم المشروع، معتبرين أنه يتعارض مع القيم اليهودية التي تركز على قدسية الحياة.

    انتقادات دولية وتحركات شعبية

     

    في أواخر يناير 2026، أصدرت مجموعة من المنظمات اليهودية التقدمية في أميركا الشمالية، من بينها منظمة “تروعا: النداء الحاخامي لحقوق الإنسان”، بيانًا دعت فيه القادة الإسرائيليين إلى رفض المشروع، محذرة من أخطاء لا يمكن التراجع عنها ومن تراجع أخلاقي. وتزامن ذلك مع حملة ملصقات في شوارع القدس تعارض القانون، في إطار حراك شعبي متنامٍ.

    تطورات قضائية تزيد من حدة الجدل

     

    زاد الجدل حدة مع تطور قضائي في منتصف يناير 2026، عندما استبدلت المحكمة العسكرية في السامرة هيئة القضاة في محاكمة أحمد دعبشة، المتهم بقتل الفتى بنيامين أخيمئير البالغ من العمر 14 عامًا في هجوم عام 2024، بهيئة مخولة النظر في عقوبة الإعدام. ويأتي ذلك في وقت أفادت فيه تقارير بوفاة أكثر من 110 معتقلين فلسطينيين في السجون الإسرائيلية منذ أواخر 2023، وسط اتهامات بظروف احتجاز قاسية، بحسب ما أُثير في تقارير للأمم المتحدة.

    يحذر معارضو المشروع من أن إقراره قد يفاقم التوتر مع المجتمع الدولي، ويضع إسرائيل في مواجهة مع التزاماتها الدولية، مع تشبيهها بدول تُعرف بتطبيق عقوبات قاسية. وفي ظل بقاء المشروع داخل اللجان البرلمانية واستمرار الاحتجاجات، يعكس هذا الجدل صراعًا أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي حول الأمن والهوية وحدود استخدام القوة القانونية.

    تم نسخ الرابط