إغلاق وزارة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة يدخل يومه الخامس والأربعين ويصبح الأطول تاريخياً
خلاف الهجرة بين الجمهوريين والديمقراطيين يطيل الأزمة ويعطل خدمات اتحادية أساسية.
ملخص
تحول الخلاف السياسي حول آليات تنفيذ قوانين الهجرة في الولايات المتحدة إلى أطول إغلاق جزئي يطال تمويل وزارة الأمن الداخلي، بعدما دخل يومه الخامس والأربعين متجاوزاً الرقم القياسي السابق. بدأت الأزمة الحالية في 14 فبراير 2026 بعد انتهاء قرار التمويل المؤقت، بينما تعود جذورها إلى تداعيات مقتل أليكس بريتي خلال مواجهة مع عناصر من إدارة الجمارك وحماية الحدود في 24 يناير. وبينما يطالب الديمقراطيون بضمانات إضافية على عمل الوكالات، يرفض الجمهوريون ربط التمويل بقيود جديدة، في وقت تظهر فيه آثار مباشرة على المطارات والاستجابة للطوارئ والأمن السيبراني وخفر السواحل.

لم يعد الجدل في واشنطن متعلقاً فقط ببند تمويلي عابر، بل تحول إلى أزمة ممتدة دفعت الإغلاق الجزئي لتمويل وزارة الأمن الداخلي إلى تسجيل أطول مدة من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة. ووفقاً لتقارير نشرتها وسائل إعلام أمريكية رئيسية، دخل هذا الإغلاق يومه الخامس والأربعين بعد أن بدأ في 14 فبراير 2026، ليتجاوز الرقم القياسي السابق الذي سجله الإغلاق الكامل للحكومة الفيدرالية في خريف 2025 واستمر 43 يوماً. ورغم هذا الامتداد الزمني، فإن الأزمة الحالية لم تشمل كامل الحكومة الفيدرالية، إذ بقيت الوكالات الأخرى ممولة، بينما انحصر التعطيل في أجزاء محددة من وزارة الأمن الداخلي.
الجذور تعود إلى حادث مينيابوليس والخلاف حول الهجرة
الشرارة السياسية التي أوصلت المفاوضات إلى هذا الانسداد تعود إلى 24 يناير 2026، عندما أطلق عناصر من إدارة الجمارك وحماية الحدود النار وقتلوا أليكس بريتي، وهو ممرض في وحدة العناية المركزة التابعة لوزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية ويبلغ من العمر 37 عاماً، خلال مواجهة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. أثار الحادث احتجاجات واسعة ومطالبات بتحقيق مستقل، ومن هنا ربط الديمقراطيون في مجلس الشيوخ الموافقة على تمويل الوزارة بإدخال ضمانات جديدة على عمل الوكالات المعنية بإنفاذ الهجرة، معتبرين أن ما حدث أعاد طرح أسئلة جدية حول حدود السلطة الممنوحة لهذه الأجهزة.
مطالب الديمقراطيين ورفض الجمهوريين
قاد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر طرحاً تشريعياً يتضمن حزمة إصلاحات قال الديمقراطيون إنها ضرورية قبل تمرير التمويل. وشملت هذه المقترحات اشتراط مذكرات قضائية قبل بعض العمليات، وفرض ارتداء كاميرات الجسم، ومنع استخدام الأقنعة أو الزي العسكري في بعض الحالات، إلى جانب تقييد تنفيذ العمليات قرب الأماكن الحساسة. في المقابل، رفض الجمهوريون هذا المسار بشكل واضح، إذ اعتبر رئيس مجلس النواب مايك جونسون ورئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون أن هذه الشروط مبالغ فيها وتمثل مساساً بالأمن القومي، ودافعا بدلاً من ذلك عن تمويل كامل للوكالات من دون قيود إضافية، مع التركيز على توسيع التعاون المحلي وتشديد قوانين الهجرة.
إغلاقان متتاليان ومسار تمويلي مرتبك
الأزمة الحالية لم تأت من فراغ أو من فراغ زمني طويل. ففي نهاية يناير 2026 شهدت الحكومة إغلاقاً قصيراً استمر أربعة أيام فقط، وأثر جزئياً على نحو نصف الوكالات الفيدرالية بسبب تأخر تمرير حزمة تمويل أوسع. ومع انتهاء قرار التمويل المؤقت الخاص بوزارة الأمن الداخلي في 14 فبراير، دخل الإغلاق الجزئي الثاني حيز التنفيذ. واستمرت عمليات وكالة الهجرة والجمارك بصورة طبيعية بفضل تمويل إضافي أتاحه قانون سابق، لكن هذا الاستثناء لم يمنع انتقال أثر الإغلاق إلى وحدات أخرى داخل الوزارة، لتبدأ التداعيات العملية في الظهور تدريجياً على الخدمات العامة والموظفين.

الآثار المباشرة ظهرت في المطارات والطوارئ والأمن السيبراني
الضغط الأوضح ظهر في مطارات البلاد، حيث أصبحت فترات الانتظار عند نقاط التفتيش الأمنية الأطول في تاريخ إدارة أمن النقل. وتفاقم الوضع بعدما فاتت بعض الموظفين رواتبهم الأولى في منتصف مارس، وهو ما أدى إلى استقالات لعشرات العاملين وارتفاع ملحوظ في معدلات الغياب داخل بعض المطارات.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 27 مارس أمراً تنفيذياً يضمن صرف رواتب موظفي إدارة أمن النقل ابتداءً من 30 مارس، غير أن التأخيرات بقيت قائمة في مطارات رئيسية، من بينها مطار جورج بوش الدولي في هيوستن. وفي الوقت نفسه، أوقفت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ بعض الاستجابات غير الطارئة، ما أثار مخاوف بشأن الجاهزية للكوارث، كما قلّصت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية جهودها الوقائية، بينما واجه خفر السواحل صعوبات في صيانة المعدات بسبب تأخر المدفوعات.
القلق الاقتصادي حاضر حتى من دون إغلاق كامل
صحيح أن التأثير الاقتصادي لم يتسع بالدرجة نفسها التي سُجلت خلال الإغلاقات الكاملة السابقة، لكن القلق لم يكن محدوداً. فقد عبّرت نقابة الموظفين الفيدراليين الأمريكية عن انزعاجها الشديد من استمرار التعثر السياسي، ووصف رئيسها إيفريت كيلي هذا الفشل بأنه "مخزٍ". كما أشارت تقارير سابقة صادرة عن مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن الإغلاقات الطويلة، حتى عندما تكون جزئية، تؤدي إلى خسائر في الإنتاجية وتأخير في الخدمات الحيوية، وهو ما يمنح الأزمة الحالية بعداً يتجاوز الخلاف الحزبي المباشر إلى أثر ملموس على الأداء الحكومي اليومي.
سياق تاريخي يفسر حساسية المواجهة الحالية
الانسداد الحالي يأتي ضمن سلسلة من المواجهات المتكررة حول التمويل الحكومي في الولايات المتحدة. فالإغلاق الكامل الذي وقع في أكتوبر ونوفمبر 2025 واستمر 43 يوماً كان الأطول حتى ذلك الوقت، وقبله جاء الإغلاق الجزئي الشهير بين عامي 2018 و2019 لمدة 35 يوماً بسبب الخلاف على تمويل جدار الحدود. أما الإغلاقات الأقصر، مثل أزمة 1995 و1996 التي استمرت 21 يوماً، أو إغلاق عام 2013 الذي دام 16 يوماً، فقد ارتبطت وقتها بخلافات حول خفض الإنفاق أو تنفيذ قانون الرعاية الصحية. هذا التاريخ يوضح أن أزمة التمويل ليست جديدة، لكن ما يميز الحالة الراهنة هو أنها ترتبط مباشرة بملف إنفاذ قوانين الهجرة وبحدود الصلاحيات التنفيذية للأجهزة الأمنية.
الجمود مستمر والحل ما زال بعيداً
حتى الآن لا توجد تسوية جاهزة. ففي 27 مارس أقر مجلس الشيوخ اتفاقاً يمول معظم أجزاء وزارة الأمن الداخلي مع استثناء بعض عمليات الهجرة، لكن مجلس النواب رفض هذا المسار وفضّل قراراً مؤقتاً لمدة 60 يوماً يتضمن تمويلاً كاملاً. ومع بدء عطلة الكونغرس لمدة أسبوعين، بقيت الأزمة معلقة من دون اختراق سياسي حقيقي، ما يترك آلاف الموظفين الفيدراليين في مواجهة ضغوط مالية متزايدة ويغذي المخاوف المرتبطة بالجاهزية الأمنية والاستجابة للكوارث الطبيعية.
ويواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التمسك بضرورة أن يحافظ أي حل على استمرار سياسات الهجرة من دون قيود، بينما يؤكد الديمقراطيون أن التمويل لا ينبغي أن ينفصل عن ضمانات توازن بين الأمن والحقوق. ولهذا يراقب المتابعون المرحلة المقبلة بحذر، لأن عودة الكونغرس من العطلة قد تكون الفرصة التالية لكسر الجمود أو تكريس أزمة مرشحة للاستمرار.




