رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
09:27 م calendar السبت 18 يوليو 2026

عنف المستوطنين في حوارة يشتعل من جديد ويحرق مئة وخمسين سيارة

هجوم منظم في قلب الضفة يضيء جراح القرية ويعيد ملف الاعتداءات إلى الواجهة

هجوم مستوطنين في
هجوم مستوطنين في حوارة أدى إلى إحراق مئة وخمسين سيارة - Illustration

    ملخص

    عنف المستوطنين عاد بقوة هذه المرة في قلب حوارة، حيث أحرق المهاجمون مئة وخمسين سيارة في ساحة رزق كانت تعيل عائلة فلسطينية بالكامل. تضاربت المواقف الرسمية بين الإدانة والتبرير، بينما بقي المشهد على الأرض يردد صدى الأسئلة التي لا تجد إجابة. الهجوم جاء في لحظة سياسية محرجة للحكومة الإسرائيلية التي تعهدت مرارًا بضبط الفلتان. ومع ذلك، يتجه الرأي العام الدولي إلى اعتبار ما يحدث سلسلة مترابطة من الاعتداءات التي تشعل الضفة الغربية بلا توقف. تكرار هذه الهجمات يعكس أزمة عميقة تتجاوز الموقع والحدث لتصل إلى جذر الصراع. وبين دخان السيارات المحروقة وغياب المحاسبة، تتضح معالم مرحلة أكثر توترًا.

    تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية
    تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية

    اشتعال ساحة السيارات وحضور المستوطنين المتكرر

     

    لم يكن مساء العشرين من نوفمبر 2025 مساءً عابرًا في بلدة حوارة. كانت الشوارع تتهيأ لليل بارد، بينما كانت رائحة زيتون لم يُحصد بعد تخرج من بساتين أطفأها الخوف. في تلك اللحظة، هاجم عشرات المستوطنين ساحة خردة السيارات الواقعة بين حوارة وأودلا، كأنهم يحملون نارًا تتقن اختيار ضحيتها. تساقطت الحجارة أولًا، ثم تحولت الساحة إلى كتلة لهب تلتهم السيارات واحدة تلو الأخرى. اندلعت ألسنة النار وتركت سماء القرية محاطة بدخان أسود كثيف، يروي وحده تفاصيل الهجوم.

    خسارة رزق العائلة بين اللهب والدخان

     

    محمد دلال، صاحب الساحة، وقف أمام الخراب يحاول التقاط أنفاسه. تلك المساحة المحروقة كانت مصدر رزق عائلته، بعد أن منعتهم التوترات الأمنية من الوصول إلى زيتونهم. قال الرجل إن أكثر من اثني عشر مستوطنًا هاجموا المكان ليلاً، وإن ما احترق لم يكن سيارات فقط، بل سنوات من الجهد الذي كان يطعم أبناءً في الجامعة وأحفادًا ينتظرون مستقبلاً أكثر هدوءًا. بين الجمر وبقايا الحديد، كان يصلي أن يلهمه الله تعويضاً عن خسارة لم تبق له دخلاً آخر غيرها.

    حضور الجيش بعد فوات الأوان

     

    وصلت قوات الجيش الإسرائيلي إلى الموقع بعد تصاعد الحريق، لكنها لم تعثر على أي من المهاجمين. سُجلت الواقعة رسمياً، لكن النتيجة كانت كما في كثير من الهجمات: لا إصابات، لا معتقلين، ولا نهاية لهذا النمط الذي يكرر نفسه. أقرت القوات بأنها تلقت تقارير عن رشق بالحجارة وإشعال للنار، إلا أن حضورها لم يغير شيئًا من واقع الهجوم أو من أثره على الناس.

    ذاكرة حوارة المثقلة بالعنف المستوطني

     

    حوارة، القرية التي اعتادت أن تدفع ثمن قربها من مستوطنة يتسهار، لم تعد تحتمل مزيدًا من الجراح. في 2023 هوجمت بشدة، فسقط قتيل فلسطيني وأصيب مئات، ووصف رئيس أركان الجيش السابق ذلك الهجوم بأنها فوضي مقصودة . فصول العنف لم تتوقف. منذ أكتوبر 2023 ارتفعت اعتداءات المستوطنين إلى مستويات غير مسبوقة، وسُجلت مئات الأحداث التي بقيت بلا محاسبة تذكر. كانت الحوادث تتكرر من جنوب بيت لحم إلى شمال الضفة، وكلها تحمل النبرة نفسها: نار بلا حدود، وسلطات عاجزة أو غير راغبة في وقفها.

    هجوم مستوطنين أدى إلى إحراق مئة وخمسين سيارة - Illustration
    هجوم مستوطنين أدى إلى إحراق مئة وخمسين سيارة - Illustration

    اجتماع أمني بلا قرارات وتباين في التصريحات

     

    في اليوم ذاته، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعقد اجتماعًا أمنيًا يناقش تصاعد العنف. لم يخرج الاجتماع بقرارات ملموسة. وصف نتنياهو الهجمات بأنها أعمال من مجموعة صغيرة، بينما دافع وزير الدفاع يسرائيل كاتز عن إلغاء الاعتقال الإداري للمستوطنين، وهو قرار جعل كثيرين يرون أن الإفلات من العقاب يزداد رسوخًا. في المقابل، حذرت جهات أمنية من خطر تصاعد الظاهرة وطالبت بخطة تتضمن فرق تحقيق ومراكز أمنية إضافية وتشديد الرقابة. ورغم ذلك، بقيت القرارات النهائية معلقة.

    ردود دولية قلقة وتحذيرات من تفاقم الوضع

     

    خارج الحدود، كانت ردود الفعل أكثر وضوحًا. أدانت الولايات المتحدة الهجوم واعتبرته إرهابًا لا يمثل الجميع، فيما حذرت الأمم المتحدة من استمرار الارتفاع الحاد في الاعتداءات. سجلت تقارير دولية ما يقارب ألفي هجوم خلال شهر واحد، وهي أرقام تكشف حجم التوتر الذي يبتلع الضفة الغربية يومًا بعد يوم. في القرى الفلسطينية، يرى السكان أن هذه الاعتداءات تحمل طابعًا منظمًا، وأن غياب المحاسبة يجعلهم يعيشون في خوف مستمر.

    جدل داخلي واتهامات متبادلة

     

    بين التيار اليميني الإسرائيلي الذي يصف الهجمات بأنها "قوة يهودية" والتيارات المعارضة التي ترى أنها تهدد استقرار المجتمع، تقف الحكومة أمام انقسام عميق. الفلسطينيون يصفون هذه الهجمات بإرهاب مدعوم من الدولة. منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية تحذر من توسع المستوطنات التي تخنق القرى المحاصرة، وتمنع توسعها الطبيعي، وتزيد من الاحتكاكات اليومية.

    أثر الحدث على المشهد العام في الضفة الغربية

     

    لم يكن الهجوم في حوارة مجرد حدث أمني. كان رسالة عن واقع يتكرر، وعن صراع يعيش في أدق تفاصيل الحياة. السيارات المحروقة ليست مجرد ممتلكات، بل قصص حياة توقفت فجأة. بين الحقول والمنازل والمحال الصغيرة، يعيش الفلسطينيون محاولة البقاء على قيد الأمل، بينما يقف المجتمع الدولي أمام مشهد تتزايد فيه الأرقام وتتسع الجراح.

    تم نسخ الرابط