فضيحة ماندلسون تكشف عن علاقة مع إبستين وتضع حكومة حزب العمال في مأزق
وثائق أمريكية تكشف علاقات ماندلسون بإبستين وتفجر أزمة سياسية غير مسبوقة في بريطانيا.
ملخص
تواجه حكومة حزب العمال البريطاني واحدة من أعقد أزماتها منذ توليها السلطة، بعد تصاعد الغضب السياسي داخل الحزب وخارجه بسبب تعامل رئيس الوزراء كير ستارمر مع فضيحة تتعلق بتعيين اللورد بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في الولايات المتحدة. وتفجرت الأزمة على خلفية وثائق أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية كشفت عن استمرار علاقة ماندلسون بالملياردير المدان جيفري إبستين، وما تبع ذلك من تحقيقات جنائية واستقالات وضغوط سياسية واقتصادية. ومع استمرار المطالب باستقالة ستارمر، بات مستقبل قيادته للحزب والحكومة محل تساؤل متزايد.

كير ستارمر وتحدٍ سياسي داخل حزب العمال البريطاني
تتصاعد الدعوات داخل حزب العمال البريطاني لاستقالة رئيس الوزراء كير ستارمر، في ظل ما يصفه نواب وقيادات حزبية بسوء تقدير سياسي في واحدة من أخطر القضايا التي تواجه الحكومة الحالية. الأزمة اندلعت بعد الكشف عن تفاصيل تعيين اللورد بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في الولايات المتحدة، رغم علم ستارمر بعلاقاته السابقة مع جيفري إبستين، وفق ما أقر به بنفسه خلال جلسة أسئلة رئيس الوزراء في البرلمان.
بيتر ماندلسون وتعيينه رغم تاريخ مثير للجدل
بدأت فصول الأزمة في أواخر عام 2024، عندما اختار ستارمر ماندلسون، أحد أبرز رموز حزب العمال الجديد، لشغل منصب السفير في واشنطن. ماندلسون سبق أن شغل مناصب وزارية بارزة في حكومتي توني بلير وغوردون براون، لكنه استقال مرتين في السابق بسبب علاقاته مع شخصيات ثرية. ورغم أن بعض جوانب علاقته بإبستين كانت معروفة جزئياً، فإن حجم هذه العلاقة وحدودها لم تكن واضحة للرأي العام عند التعيين.
جيفري إبستين ووثائق وزارة العدل الأمريكية
في يناير 2026، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الوثائق المرتبطة بجيفري إبستين، الذي أدين عام 2008 بتهم تتعلق بالدعارة مع قاصر، وتوفي داخل السجن عام 2019 أثناء محاكمته في قضايا أخرى مرتبطة بالاتجار الجنسي. الوثائق، بحسب ما نشرته نيويورك تايمز، تضمنت رسائل إلكترونية تشير إلى استمرار علاقة صداقة وثيقة بين ماندلسون وإبستين حتى بعد الإدانة، شملت تبادل نكات شخصية ونقاشات حول فرص عمل مالية كبيرة.
اتهامات بتسريب معلومات وتحقيق جنائي بريطاني
الأكثر إثارة للجدل في الوثائق، وفق التقارير الأمريكية، هو ما بدا كتسريب معلومات حكومية حساسة من ماندلسون إلى إبستين أثناء توليه منصب وزير الأعمال عام 2009، خلال فترة الأزمة المالية العالمية. هذه المزاعم دفعت الشرطة البريطانية إلى فتح تحقيق جنائي في شبهة “سوء سلوك في منصب عام”. ونتيجة لذلك، استقال ماندلسون من حزب العمال ومن مجلس اللوردات، كما جرى عزله من مجلس الملكة الخاص.

موقف كير ستارمر واعتذاره العلني
في محاولة لاحتواء تداعيات الفضيحة، قدم كير ستارمر اعتذاراً علنياً لضحايا إبستين خلال خطاب ألقاه في مدينة هاستينغز بشرق ساسكس. وأقر بأنه أخطأ في الثقة بماندلسون، قائلاً إنه لم يكن على علم “بعمق الظلام” في تلك العلاقة. وأوضح أن التحقق الأمني أشار إلى وجود صلة بين الرجلين، لكنه اعتمد على تأكيدات ماندلسون، قبل أن يقوم بإقالته في سبتمبر 2025 عقب الكشف الأولي عن بعض الرسائل، بحسب ما أكده علناً.
غضب داخل حزب العمال وضغوط للاستقالة
لم تهدئ تصريحات ستارمر الأوضاع داخل الحزب، بل زادت من حدة الغضب. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي عن نائب عمالي ويلزي، رفض الكشف عن اسمه، قوله إن على ستارمر “أن يستقيل ويفعل الشيء اللائق”، مشيراً إلى تزايد السخط بين نواب الحزب الذين يرون في القضية فشلاً في الحكم السياسي وإدارة المخاطر.
برز اسم مورغان ماكسويني، كبير مستشاري ستارمر، كأحد محاور الجدل، إذ تشير تقارير بوليتيكو إلى أنه كان من أبرز الداعمين لتعيين ماندلسون. ويدعو بعض نواب حزب العمال إلى إقالته في محاولة لإنقاذ موقع ستارمر. كما انضمت أنجيلا راينر، نائبة ستارمر السابقة، إلى المنتقدين، بعدما أجبرت الحكومة على التراجع عن إصدار وثائق تتعلق بإجراءات التعيين، وفق ما ذكرته صحيفة ديلي ميل، التي أشارت أيضاً إلى أن بعض الوزراء يدرسون الاستقالة لتسريع سقوط ستارمر.
من جانب المعارضة، شنت كيمي بادينوك، زعيمة حزب المحافظين، هجوماً حاداً على ستارمر داخل البرلمان، متهمة إياه بـ“حقن السم في الحكومة”، في تعبير زاد من حدة السجال السياسي. هذا التصعيد البرلماني ساهم في توسيع دائرة الأزمة وتحويلها من شأن داخلي في حزب العمال إلى قضية سياسية وطنية.
تداعيات اقتصادية وتساؤلات حول الاستقرار الحكومي
امتدت آثار الفضيحة إلى الجانب الاقتصادي، حيث أفادت شبكة سي إن بي سي بارتفاع تكاليف الاقتراض البريطانية، وسط مخاوف المستثمرين من عدم الاستقرار السياسي. كما أعادت القضية فتح النقاش حول شفافية إجراءات التعيينات العليا في الحكومة، خاصة بعد تأكيد ستارمر أن التحريات الأمنية أشارت إلى العلاقة مع إبستين دون أن تمنع التعيين.
في سياق أوسع، وصفت سكاي نيوز هذه الفضيحة بأنها من بين أسوأ الأزمات السياسية التي شهدتها بريطانيا منذ قرن، مقارنة بفضيحة بروفومو في ستينيات القرن الماضي، لما تتضمنه من عناصر تتعلق بالجنس والأسرار والتحقيقات الجنائية. هذا التشبيه زاد من ثقل الأزمة على الحكومة الحالية.
داعمون محدودون ومستقبل القيادة داخل الحزب
رغم ذلك، لا يزال ستارمر يحتفظ بدعم بعض المقربين الذين يرون أنه تصرف بحسن نية، ويدعونه إلى التركيز على أجندته الاجتماعية، بما في ذلك برنامج “فخر المكان” الذي يمنح المجتمعات المحلية سلطات أوسع. لكن مراقبين سياسيين، من بينهم كريس ميسون من بي بي سي، يتوقعون استمرار الضغوط، خصوصاً مع احتمال نشر وثائق حكومية إضافية بعد مراجعتها من لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان. وفي حال تصاعد الدعوات للاستقالة، قد يواجه الحزب تحدياً قيادياً داخلياً، مع تداول أسماء مثل أنجيلا راينر أو أندي بورنهام كبدائل محتملة، بينما يبقى مستقبل ستارمر معلقاً بتوازن دقيق داخل حزب يعاني من تراجع في استطلاعات الرأي.




